تنظيم المجال بالمغرب: من الانقسامية الكولونيالية إلى الجهوية المتقدمة. (الجزء الثالث)

الحسن إدوعزيز

تقديم: في سياق النقاش العام حول المؤتمرات الجهوية التي تعقدها النقابة الوطنية للتعليم هذه الأيام تنفيذا لبنود مخططها الاستراتيجي الرامي إلى النهوض بهذه النقابة العريقة، ارتأينا أن نفتح هذه النافذة محاولين الاحاطة بموضوع الجهوية كاختيار تنظيمي مجالي اهتدى اليه المغرب بعد مسار تاريخي طويل.

الموضوع كما يتضح من عنوانه "تنظيم المجال بالمغرب: من الانقسامية الكولونيالية إلى الجهوية المتقدمة" سيقدم في حلقات، وسيتناول سياق ظهور التقسيم الجهوي من الزاوية التاريخية، بابراز مختلف  المحطات التي مر منها تنظيم المجال بالمغرب، قبل الوصول إلى الصيغة الحالية للجهوية المتقدمة، وبداية تنزيلها على كافة المستويات، والتعليمي منها على الخصوص...

الجزء الثالث:

كان مجال "النفوذ"يخضع تماما لسلطة المخزن، ويتحدد في العواصم التقليدية، وبعض المدن الكبرى وأحوازها مع بعض السهول. وهو ما تُشير اليه بعض الدراسات الأنثروبولوجية بلفظة "بلاد المخزن". ظلت حدود هذا المجالغير قارة عبر التاريخ؛ فهو يتغير بتغير الظروف السياسية والمناخية للبلاد، وكان يتمدد بقوة المخزن، ويتقلص بضعفها، وبسبب الصراعات الداخلية، او بسبب الظروف الطبيعية كالمجاعة والأوبئة التي كانت تؤثر على نجاعة واستقرار المخزن وقبائله المحاربة.

بقيت سلطة القبائل الموجودة بهذا المجال، ومؤسساتها، مقيدةوغير ظاهرة؛ بسبب ضعفها،وبسبب تأثير المخزن. ذلك أن المخزن كان يفرض بهذا المجالسلطته التشريعية، المستمدة من القانون الإسلامي، والذي تتمترجمته وتأويله حسب مجالات التشريع. حيث يلاحظ أن هذه السلطة التشريعية ظلت مرتبطة هي الأخرى بقوة المخزن؛ فكلما كان المخزن قويا كلما اتسع مجال تطبيقها، وكلما كان ضعيفا كلما كان تشريعه المخزني سطحيا...، فيصبح أول قانون ترفضه الساكنة،إثر ذلك،هو القانون الضريبي الذي يُصبح حملا ثقيلا عليها،بل يتجاوز حدود الشرع الإسلامي نفسه.

وعموما، فسيطرة قوانين القبيلة بهذا المجال كانت ضعيفة جدا. بل تصبحمتحللة الترابط،ومفككة التلاحم والتضامن مع مرور الزمن. لينتهي الأمر بالناس الى اكتساب التقاليد المخزنيةالمفروضة من طرف رجالات المخزن. مما يقضي على التقاليد العرفية الأصيلة التي لا يتبقى منها، مع مرور الزمن، سوى "بقايا" مقتطعة من سياقها الأصلي، ومندمجة في التشريع المخزني الرسمي. فالإيديولوجية الدينية للمخزن، وكمايرى "غولدييه"، تعمل على تأسيس وتبرير مشروعية تبعية الناس بعضهم لبعض...ولعل ذلكما جعل التبعية الدينية والتشريعية، في هذا المجال، تبعية مقبولة وشاملة من طرف عامة الناس؛والذين يألفون، مع مرور الوقت، مقاسمة السلطان وخاصته نفس القيم والتقاليد، والإيمان بالشرف و"البركة".فهو الذي (السلطان) يبقى بمجال "نفوذه" موجها وحيدا لدفة السلطة السياسية والاقتصاديةعلى حد تعبير الأستاذة "رحمة بورقية".

أما مجال "الولاء" أو "البيعة"، فهو المجال الذي يُغطي، عبر أغلب الفترات التاريخية للمغرب وبشكل مألوف، المناطق الجبلية ومناطق الجنوب. وهو مجال ظلت تستوطنه قبائل، مستقلة الى حد ما. لم تعرف السلطة المركزية في شكلها الدائم...لكنها في المقابل عرفت السلطة الروحية للسلطان كـــ"شريف" أعلى للجماعة، وتُعلن له "الولاء والبيعة".

ويلاحظ المتتبع بأننا نستعمل هنا عبارة"مجال الولاء" عوض "بلاد السيبة"الذي ساقته الكتابات الاستعمارية؛ ولعل مرد ذلكأننا نطمئن إلى ما يذهب إليه بعض الباحثين المغاربة كالأستاذ "محمد حنداين" باعتبار التاريخ السياسي للمغرب أثبتبأن تاريخ المجتمعات القبلية بالهوامش، بالجبل وسوس والصحراء تحديدا، لم يكن خطيا على الدوام.. بل كان ديناميكيا يتراوح بين التركز والانقسام،كما يتوضح ذلك من تجارب الدول والنظم العديدة التي خضع لها مجموع التراب المغربي، أو أثرت فيه، عبر تاريخهالمديد. كما أن الباحث السوسيولوجي"بول باسكون" (Paul Pascon) كان من السباقين إلى الدفاع عن فكرة "الوحدة والتكامل" بالمغرب، بل فند فكرة "استقلالية" المناطق النائية، بعدما بينبأن بعض المجموعات من "بلاد السيبة"بجنوب المغرب الأقصى، كما حددها الأوربيون، كانت خاضعة وتابعة للدولة بالرغم من حالات التأزم التي كانت تعتري العلاقة بينهما من حين لآخر. ورغم ذلك فقبائل هذا المجال كانت تشكل سلطة محلية حقيقية، في شكل لفوف وتحالفات قبلية كبرى؛ كانت تهدد السلطة المركزية للمخزن عبر فترات تاريخية كثيرة. حيثكان قائد القبيلة (le chef de la tribu) يعتبر المالك الحقيقي للسلطة الفعلية بهذا المجال،بينما يقتصر الجانب التشريعي على تطبيق القوانين العرفية المحليةللقبائل كما استنتج "روبير مونطان". وهي قوانين وأعرافظلت تتماشى وطبيعة السلطة المحلية. فعندماتكون هذه السلطة خاضعة- بشكل كلي- لقوة القبيلة، فإن العرف يكون هو التشريع العادي المهيمن، كما حدث مع "الروكي بوحمارة" (1906) بمنطقة الريف، أو مع "موحا أوحموالزياني" (1921) بالأطلس المتوسط.. أما تكون (السلطة) مبنية على احتمالات أخرى غير قوة القبيلة، فإن القائد الروحي المحلي، الذي يتطلع ويطمح في أن يُصبح قائدا أعلى، هو من يحاول فرض الشرع الديني،في سياق محاكاة التقاليدالمخزنية، كما كان الحال مع "محمد العالم" بمنطقة سوس، الذي حاول تطبيق القانون الإسلامي في الميدان الضريبي مدعيا بكونه أصبح سلطانا على مجموع البلاد زمن أبيه "المولى اسماعيل"...

...يُتبع

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


عدد زوار الموقع

2437518
اليوم
الامس
هذا الاسبوع
الاسبوع الماضي
هذا الشهر
الشهر الماضي
كل الايام
257
1495
10576
2406608
37026
92795
2437518
Your IP: 107.20.115.174
Server Time: 2017-12-15 02:41:49

أخبار المغرب  أخبار المغرب الكبير  أخبار العالم العربي  أخبار العالم  أخبار الإقتصاد تمازيغت  عالم الرياضة مستجدات التعليم  دين ودنيا  عالم سيدتي  تكنولوجيا  أقلام حرة  صوت وصورة  بانوراما  عين على الفايسبوك  السلطة الرابعة  حوادث  المرأة  خارج الحدود   كاريكاتير  معرض الصور  RSS  الأرشيف