في حوار الكاتبة والقاصة د. زهرة عز : “العنف نتاج فشل السياسي في تحقيق التنمية والكرامة، والثقافي التنويري يمكنه أن يصلح ما أفسدته السياسة"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نص الحوار الذي أجرته  الدكتورة والقاصة  زهرة عز مع جريدة المنعطف  وارسلته للموقع الجهوي للنقابة الوطنية للتعليم (فدش) بجهة مراكش ـ آسفي :

 1 ـ بداية نسأل عن المجتمع المغربي وعن جذور العنف فيه ، هل يشبه ما نعيشه حاليا ؟

لمعرفة الجذور الحقيقية للعنف في المجتمع المغربي يجب استحضار السياق التاريخي، وهو ما يجعلنا نستخلص أن العنف كما نعيشه اليوم دخيل وجديد على مجتمعنا، وأقصد العنف كظاهرة متشرة في المجتمع، خاصة العنف المرتبط بتبريرات دينية وقيمية وعقائدية، صحيح أن العنف ظاهرة بشرية عرفتها كل المجتمعات والأمم عبر التاريخ البشري نفسه، ولكن ما نعيشه اليوم، يجعلنا أمام ظاهرة مستحدثة، غير مرتبطة فقط بأفراد منحرفين أو جانحين ، يرتبط العنف لديهم بالسرقة واللصوصية عموما. إذ أن العنف كاد أن يتحول إلى ثقافة منتشرة في المجتمع، و موجهاً قيمياً لسلوكات المواطنين بشكل كبير. ولذلك فالتمعن في حالات العنف اليومية يجعلنا نستخلص أن تجلياته المتعددة  في الأسرة، الفضاءات العامة…الخ، هو نتيجة انهيار في القيم، وانهيار أسس التربية والتعايش. ولذلك فحتى مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي كانت تربي الفرد على القيم النبيلة، وتمنحه المناعة الكفيلة باجتناب العنف والانحراف، أصبحت هي نفسها تنتج وتعيد انتاج العنف بقيمه التدميرية
لذلك فما يميز العنف اليوم هو انتشاره كثقافة انتكاسية، يتخذ عدة تجليات وأشكال، فمن العنف المرتبطة بالتعاطي للمخدرات ، وخاصة القرقوبي، وباقي أصناف العقاقير،إلى العنف المرتبط بالجريمة، إلى العنف في الملاعب، والعنف الأسري، إلى العنف المرتبط بالاعتداء الجسدي على الحريات الفردية، تتشكل خريطة العنف في المجتمع.

2 ـ هل نستطيع معرفة رأيكم في ما يجري من هجوم على الحريات الشخصية للفرد المغربي ؟
يشكل هذا المنحى من العنف في المجتمع، أحد أخطر تجليات ظاهرة العنف، لكونها مرتبطة بالفكري والقيمي في أبعاده الدينية، وقد اشتدت وثيرة هذا المنحى مؤخراً، خاصة بعد الربيع العربي، بشكل يجعلنا ندق ناقوس الخطر المحدق بالحريات الفردية والقيم المدنية المؤسسة للمواطنة. خاصة وأن دعاة التطرف والمذهبية، والتعصب الديني يريدون مجتمعاً على المقاس، وهو المقاس الذي يريد ارجاع المجتمع المعاصر إلى التاريخ الموغل في الظلامية

وإذا كانت بعض الأطراف من المجتمع، وخاصة دعاة الإسلام السياسي والأصوليات الدينية الوهابية، تعمل على زرع الفكر المتطرف، وتقوض أسس دولة الحق والقانون والحداثة، فإن ضعف الدولة في الدفاع عن الحريات الفردية، وأحياناً اختراقها هي نفسها وتهاونها في حماية حقوق المواطنين، يجعل موجة العنف الأصولي يعم المجتمع  ويخترق كل مؤسساته، ويحدث بالتالي فوضى عارمة
3 ـ هل يحق للبعض محاكمة أشخاص إنطلاقا من معتقداتهم أو أفكارهم، وهل يحق لهم تطبيق شريعة الشارع عليهم ؟
الحريات كلٌّ لا يتجزأ، و لا يحق لأحد أن ينصب نفسه قاضيا و جلادا، يصدر الأحكام و ينصب محاكمات ، فقط لأنه يرفض الاختلاف و لا تروقه قناعات الآخر.. هناك مؤسسات أمنية و قانونية  مختصة للبث و النظر في الخروقات والتجاوزات إذا ما اكتملت عناصرها ، نحن دولة مؤسسات و لسنا دولة الغاب..و الشارع 

للأسف، تتكرر مشاهد العنف والاعتداء على الآخرين بدعوى تطبيق الشريعة، باختلاف التهم و الضحايا، ضحايا فوضى الشارع والعنف، وهذه المشاهد ناتجة في العمق عن فشل المدرسة وكافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية في غرس قيم حقوق الإنسان، وقيم المواطنة باعتبارها قيما مدنية تتأسس على القبول بالاختلاف وتدبير العيش المشترك على قاعدة الوطنية، التي لا تنفصل عن حرية كل الناس الدينية والاعتقادية. ولذلك فالقيم التي توجه جزء كبيرا من المغاربة هي قيم موغلة في التطرف والمذهبية، وهي قيم جاءت نتيجة انتشار الفكر الوهابي والديني المتطرف، خاصة بعد الربيع العربي، بعد صعود الإسلام السياسي، وبالمقابل، أعلنت مؤسسة التنشئة الاجتماعية والسياسية تنازلها عن الفرد، ككيان يصبو إلى غد أفضل. وهنا نسجل التراجع المقصود،في الإيمان بقيم حقوقية وإنسانية، قيم تدعو للتسامح، احترام المؤسسات، الاعتراف بالآخر وبالاختلاف.. أصبحنا نعاين العنف متمثلا في اعتداءات سافرة، المفروض أنها مرفوضة،ومجرّمة قانونيا ودستوريا. بالتأكيد، المقاربة الردعية والأمنية غير كافية، حتى لو كانت أحيانا ضرورية، فإن استنفاذها يقود حتما إلى عكس ما نرجوه ، والذي لن يكون قائما إلا بالمقاربة القانونية والحقوقية غير المنفصلة عن الحق في التنمية والكرامة، حيث يتساوى أمام دولة الحق والقانون كل المواطنين بدون استثناء، من هنا ينتظرنا استدماج قيم حقوقية، إنسانية في البرامج الدراسية، ومناهج التعليم، والإعلام المرئي والسمعي، والورقي و الالكتروني، إشاعة ثقافة قبول الاختلاف في المظهر والفكر، وقبول التنوع الثقافي، طبعا تربويا وتوعويا، وهنا يأتي دو الفاعل الحقوقي،الفاعل السياسي، المجتمع المدني، مؤسسات التعليم والصحافة والأسرة ودور الشباب، من دون أن ننسى تشجيع التفكير الديني المعتدل، والتنويري . كلنا معنيون وكلنا مسؤولون عن هذا التسيب الخطير والانفلات الأخلاقي. الذي يؤجج للتعصب ولنبذ الآخر والإقصاء، النتيجة وخيمة العواقب إذا لم تتدارك بجدية، ونؤسس لكوابح مؤسساتية لتقويضها، بل للقضاء عليها،، قد تكون عاقبة التغاضي عنها، انهيار كامل لقيم المجتمع وانهيار لأسس الحداثة والديمقراطية
4 ـ هل لليوميات وصعوبتها دور في تنامي ظاهرة العنف ضد فئة معينة من المجتمع المغربي؟
أعتقد أن المعتدي المقبل على العنف، شخص ينفس عن ضغط يجثم على صدره، يمنعه من التنفس بحرية والرؤية بوضوح. قد يكون ذلك ناتج عن إحساس بالعجز واليأس بمسايرة وثيرة الحياة السريعة ومتطلباتها المادية في ظل غلاء يتفاقم ويشعل قلب المواطن ناراً تؤججها قلة اليد، مشاكل اجتماعية واقتصادية تزيد من إحباطه في مجتمع تنعدم فيه العدالة الاجتماعية ويسود الفساد مع سوء التسيير والتدبير، في غياب كامل لتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة… فيكون العنف كمتنفس وردة فعل، ضد الآخر والمجتمع، وهو في العمق عنف ضد اللاعدل واللاحق، علينا الاعتراف بتنامي مظاهر الحكرة والإقصاء في المجتمع، وحالات اليأس مع تدني دور مؤسسات، وغياب إرادة حقيقية لإيجاد حلول جذرية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، التي تثقل كاهل المواطن،وتحبطه، وتقوض رؤيته التفاؤلية للمستقبل، وهو ما سيدخلنا لا محالة في ظلمة قاتمة. وهي الظلمة التي ينتعش فيها الإسلام السياسي، وكافة الحركات الأصولية والمتطرفة ...

 5 ـ كيف السبيل إلى الخروج من ظلمة التزمت إلى ضوء التسامح، وهل للفن والثقافة دور في ذلك ؟
إذا كان السياسي قد فشل في تحقيق التنمية المنشودة، وصيانة كرامة المواطن، ومده بالمناعة المكتسبة عبر مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، فإننا نشهد ومنذ أزيد من عقد من الزمن بداية انهيار  قيم المجتمع، فاسحة المجال للتعصب والتطرّف والتمييز وإقصاء الآخر، في جو يطبعه الريع في كل مجالات الحياة الاجتماعية. وهنا يجد الإسلام السياسي الفرصة لينقض على ما تبقى من أمل في مغرب تنويري وحداثي. إننا نعيش لحظة تاريخية فاصلة، يتم فيه استغلال الدين للهيمنة، أمام تفشي الأمية، نحن مطالبون بتصحيح العيوب المدمرة .فهناك من يعشق الصيد في المياه العكرة،نحن مطالبون أيضا بتقويم الرؤية الثقافية وتوسيع الأفق المعرفي البنائي للوعي والشخصية، عبر مواد وبرامج ثقافية وفنية هادفة، تنهض بمستوى الفرد وتعمل على إذكاء فكره النقدي، كفانا من استراتيجية الإلهاء والتمييع، لنأخذ المسالة بجدية ، يلزمنا مقاربة شمولية لظاهرة العنف واستباقها بتجفيف معاقلها ، والعمل على تشجيع المواهب على الخلق والإبداع. لأن الفكر الحر يحصن نفسه وبالتالي يحصن المجتمع ضد كل دخيل، حتما العنف الرمزي واللفظي يؤدي إلى العنف المادي، ويصبح قانون الغاب هو السائد، عنف بالبرلمان والشارع والجامعات، والملاعب وداخل البيوت،،، عنف في الخطاب السياسي والأُسَري والتربوي والرياضي،،، أكيد فوضى تكرس لزمن العبث بامتياز، كل واحد يعتقد انه يمتلك الحقيقة المطلقة والواحدة، وإنه على صواب والمنزه عن الخطأ،، مفهوم الإقصاء والتعنت المجاني الذي يضر بالجميع. أظن أن المناضل الثوري تشي جيفارا، كان دقيقا ومصيبا حينما قال:”يجب أن يكون المرء إنسانيا،كثير الإنسانية، وأن يتمتع بحس عظيم من العدالة والحق، كي لا يقع في الجمود العقائدي المتطرف، ولذلك فإعادة النظر في المناهج المدرسية، وفي الإعلام، وفي كافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وتشجيع الفكر التنويري والتوعية الفنية والجمالية، كفيل بتفكيك وتبديد مناطق الظلمة والعتمة، وتأسيس مجتمع الاختلاف والتعايش على قاعدة المدنية والمواطنة، التي تعتبر أن الحريات الفردية خط أحمر لا يمكن التهاون في اختراقه لا من طرف الدولة، ولا من طرف الأفراد والجماعات.  لنجعل من إنسانيتنا واحترامنا لبعضنا البعض، ولمؤسساتنا القانونية والدستورية،، ومن تقبلنا لاختلافاتنا الإيديولوجية والعقائدية، ثقافة ، وركيزة بناء مجتمع حداثي ديمقراطي، يتسع للجميع، تتحقق فيه العدالة الاجتماعية وتصان فيه كرامة المواطن. فالاختلاف بالتأكيد رحمة وعطاء…. لعل القادم أجمل،، وللأمل بقية،، وما تفسده السياسة يصلحه الفن والفكر التنويري.

حاورها عبد العزيز بنعبو

عن جريدة المنعطف المغربي

كراسة الوطن

الدكتورة زهرة عز 

قال الراوي: الوطن ليس بطاقة تعريف، وليس مجرد نشيد.

قالت المعلمة: سألد بالصقيع ولدا أسميه سعيد

 قالت الأم: أصبحت نباتية بمحض إرادتي

 قال الإخوة الصغار: لن ننظر إلى القمر

قال سعيد:  إني أنشد جرح الوطن،

وتسلّل وراء الكواليس. أزاح الستارة بحذر، وأطلّ برأسه الصغير. كانت قاعة المسرح مكتظة عن آخرها، لم يكن أي  كرسي شاغرا. طالعه بالصف الأول علية القوم، وزراء ومنتخبون وسياسيون مزهوون ببدلات فاخرة، وألوان ربطات عنق فاقعة وساعات ثمينة. تعرّف على بعضهم.

         كان يراهم في شاشة التلفزة بالمقاهي وعلى الصفحات الأولى من الجرائد.

وبآخر الصفوف جلست والدته حبيبة وإخوته الصغار وبعض من جيرانهم، بوجوههم الشاحبة. الكل حضر لمتابعة مسرحية،"ظل الوطن".

         السنة الجديدة على الأبواب وكل واحد يعانق أمنيته، إلا سعيد كان قد ودّع ظله هناك على قارعة الطريق، عندما أسقط أمنيته بين رجليه.

فتح الستار على سعيد يقف وسط الخشبة. يسبح داخل  معطفه الكبير. حاول المخرج أن يقنعه بتغييره لكنه فشل في ذلك، ثم أخيراً اقتنع أنه جزء مهم من العرض.

- ما أمنيتك لهذه السنة الجديدة وهي على الأبواب؟ سألته فاتنة مبتسمة.

كان السيناريو مرتجلا وصادقا، لذلك كان العرض مغريا للمشاهدة حتى لعلية القوم. حضروا والفضول يسبقهم ليروا أداء الطفل المعجزة.

- أمنيتي لهذه السنة، أن أعانق الموت مثلا.

أربكت إجابة سعيد محاورته. نظرت ببلاهة إلى الحضور. استرجعت جأشها:

- لماذا  يا حبيبي؟ 

- كرهت الدنيا وكل شيء.

ماذا تمنيت قبل ذلك؟

- تمنيت أن أدرس. نظر إليها بخيبة وأضاف، منذ أربع سنوات.

وماذا أيضا؟

_ لاشيء، أمنيتي للسنة المقبلة الجديدة، أن أموت.

أخرست إجابته محاورته الجميلة. نظرت إليه بحنان. ربّتت على كتفه، وهي تنظر لعينيه الدامعتين وتقرأ شريط حياته بصوت جهيّر.   

ككلّ صباح كان سعيد يخرج باكرا مع شروق الشمس حزينا. ينتعل حذاءه المتهرئ، ويلبس معطف أبيه. كان حريصا على أن ترافقه رائحة والده. تشعره بمسؤوليته أكثر منذ ودّع أباه الدنيا، وأورثه حزنا وأطفالا صغارا وزوجة مكلومة لا تجيد شيئا سوى البكاء على حظها العاثر بعد أن فقدت زوجها في عراك بالسكاكين ذات غفلة.

كان أبوه صالح بعمله كحارس، عندما باغته لص أراد سرقة سيارة، سرعان ما استبدلها بسرقة روح صالح وابتسامة سعيد وأسرته، واختفى في العتمة معلنا انتصاره على تحدي الحارس له.

لم يكن سعيد يعرف وهو في السنة الثالثة ابتدائي إنه آخر يوم له بالدراسة. كان يشدو بنشيد الوطن، ويحيي العلم بباحة المدرسة: منبث الأحرار، مشرق الأنوار، منتدى السؤدد وحماه، عندما شاهد أمه تولول ووجهها الشاحب يقطر دموعا وكمداً، باحثة عنه بالساحة. لو علم لربما أخذ العلم تذكارا من المدرسة وودّع معلمته الجميلة.

أصبحت أيامه كأسنان المشط، متشابهة، تتوزع بين نومه المضطرب وجريه بشوارع المدينة بين إشارات المرور، يبيع جرائد ورقية لم يعد أحد يهتم لها، بعدما أصبحت كل الأخبار في المتناول بضغط زر على هواتف ذكية تكاد تجهز على كل العقول والمشاعر ، وعندما كان أحدهم يرقّ لحاله ولسحنته القاتمة وجبينه الذي يتصبب عرقا تحت أشعة الشمس الحارقة،  يضع بعض دريهمات بيده الصغيرة، ويبتسم له، لكن وجه سعيد يظل متجهما،  بعد أن  أضاع ابتسامته، ولم يعثر عليها أبدا. وعندما كان الجوع يقطع أحشاءه والشمس تجلده بسياطها النارية كان يجر جسده النحيل جرا  إلى مقاهي قريبة بحثا عن سقف يظلله.

ينتقل متعبا من طاولة إلى أخرى، عارضا ثقله من الأخبار على الزبائن، أغلبهم لم يكن ينتبه إلا لأظافره السوداء وشعره الأشعث وسحنته القاتمة، لذلك كانوا يزيحون بصرهم عنه تأففا وهم يضعون أياديهم على هواتفهم الذكية بإحكام.

بالمساء وبعد أن تنتشر العتمة، يشعر سعيد باستئناس أكبر مع محيطه. يتوحّد أكثر مع الظلام. يبحث عن خلاصه في كلّ الأزقة المظلمة، قد يصادفه سارق ابتسامته، ويرميه بطعنة رحيمة  تحرّره من قيد الحزن واليأس. 

         بطريقه إلى غرفتهم الصغيرة بسطح البيت القديم، كان يرفع رأسه إلى السماء، و يرمي بنظره بعيدا، فلا يرى سوى قمر مثقوب، ونجوم قد فقدت توهجها، يناجيها بصمته المبحوح بعد أن سقطت كل كلماته واختفى صوته وراء عينيه الحزينتين. يلج زقاقهم الضيق. يدفع الباب الصدئ، يقفز درجات السلم المكسورة ويقف أمام باب غرفتهم اليتيمة. يصله صوت أمه تنهر إخوته الصغار وهم يرتعدون من الخوف من جنيي الظلام بعد أن استبدلت أمه نور المصباح بضوء الشموع .

         يدفع الباب، وقبل أن تسأله أمه متذمرة من الحياة وأعبائها. كان يمدّ لها يده الصغيرة بما جاد عليه النهار وما تحصّله بعد ساعات لا تنتهي من الجري. تنظر إليها بتجهم وتبدأ في تعداد غلاء الحياة، لا تدري ماذا تفعل مع أفواه إخوته الجائعة، ودراهمه القليلة.

         سعيد ينظر إليها بعيون جاحظة، لا يجيب، ثم ينزوي في أقصى الغرفة. يشاهد إخوته يلتهمون بقايا سندويش مده له أحد رواد المقهى بعد أن لاحظ كيف كان  يلتهمه بعيونه، لم يأكله سعيد، فكر بإخوته، يَرَوْن الهمبورغر فقط على واجهة الإعلانات وسط البلد عندما يرافقون أمهم يوم الجمعة ويجلسون أمام المسجد الكبير. نادرا ما كانت العيون تنتبه إليهم، وإلى أسمالهم البالية، وكانوا يعودون آخر المساء ببعض الخبز وقد أكلوا بعضا من لحم وكسكس. اليوم الوحيد الذي كانت أمه لا تلوم فيه سعيد، ربما تكون منهكة أو شبعانة من الخبز وغذاء المحسنين. 

كان الجمهور يستمع لشريط حياة سعيد بصوت الحسناء الرخيم وكأن على رؤوسهم الطير. تنحنح منتخب الحي، طالبا الإذن بالحديث، العرض ارتجالي، ومشاركة الحضور جزء من العرض.

- سعيد ابن منطقتي، هو ابني إذا. أتعهّد بالتكفل بتعليمه حتى البكالوريا، وغدا نرجعه إلى مكانه الطبيعي في المدرسة، ونقيم  وليمة لذلك  يحضر فيها اللحم والدجاج، وسيأكل كل الجيران.

صفق إخوة سعيد بحبور وزغردت نساء الحي فرحا، سينعمون بما لذ وطاب من خيرات الوطن، قاطعته الجارة مينة، مولدة النساء، هي التي استقبلته في ليلة ماطرة، بعد مخاض والدته العسير .

- أشهد أنه كان مولودا مختلفا، لم يصرخ عندما خرج للدنيا والحبل السري يلتف حول عنقه، قدره الموت منذ ولادته. نظر إلي معاتبا، ونزلت دمعتان من عينيه الضيقتين. وعندما فتح فمه لم يصرخ بل تأوّه، حتى ملأ أنينه كل الأمكنة، وانغرست آهاته الحادة بالغيوم، فبكت السماء تلك الليلة، ثم لم أره مبتسما إلا وهو ذاهب إلى المدرسة أو  راجع منها، وعندما غادرها، فقد قدرته على الكلام والابتسامة. أظن أن قدره الموت منذ ولادته، ربما أنينه اقتلع ورقته بشجرة الحياة منذ المهد.  لنحقق أمنيته، لعله يسترجع ابتسامته الجميلة.

- قام وزير التعليم من مكانه، وبجدية صعد للمسرح، يريد أن يكلم الحضور، فالموضوع في غاية الأهمية، والعرض بدأ يسخن ولن يقبل بأقل من شخصية رئيسية داخله...

- تحقيق أمنية سعيد، مناسبة حقيقية لابتكار خطة وطنية للحد من الهدر المدرسي. أتعهد بإثارة الموضوع من جديد بالبرلمان وأسائل كل الوزارات ذات الصلة، خاصة وأن التعليم قضية وطنية تهم كل الهيئات والمؤسسات....

صفق له الجمهور باستحسان، وكانت ابتسامته الصفراء قد ابتلعت نصف الخشبة، التفت إلى سعيد، يتلاعب بشعره الأشعث. 

- عليك أن توضّب نفسك، وتكون جميلا وأنت تستقبل السنة الجديدة وقد تحققت أمنيتك.

ظل سعيد ساكنا لا يتحرك، وهو يرى الوزير يغادر الخشبة. انحنى مقبّلا رأسه متمنيا له التوفيق والنجاح. يضحك ملء فمه الكبير  ويمني نفسه بالإشعاع الذي ينتظره. سيكون أهم إنجاز لوزارته هذه السنة، وسيستغل كل وسائل الإعلام التي تنقل المسرحية على الهواء من أجل قهر كل منافسيه على ولاية ثانية.

         وتتعالى أصوات الكومبارس في المستويات الخلفية للركح، معلنة رفضها لسياسة التعليم والظلم في البلاد، ويعلو التصفيق في قاعة العرض. تنزعج الصفوف الأمامية الوثيرة. يتوقف العرض لدقائق بعد أن وقفت الصفوف الخلفية ترفع شعارات ربط المسؤولية بالمحاسبة... وهذا عار هذا عار أولادنا في خطر.... هذا عيب هذا عار والوطن في خطر.

وقبل أن ينسحب الوزير متزعماً الصفوف الأمامية، وينسحب معه الوالي والعامل والقياد والباشوات... وتنسحب أحلام سعيد إلى الخلف. قرر أن ينزل من الركح، رافضاً أن يكمل  دوره في المسرحية. لم يكن حينها يكترث لشيء، وكأنه كان يقرأ خاتمته في تباين مستويات الضوء المنعكس على الركح راسماً دوائر مضيئة وأخرى مظلمة. 

نظر باتجاه الجمهور المصفق لقراره الشجاع، انحنى مودعا بينما تعالت تهاليل وتصفيرات الحاضرين.

انتهى العرض. انتهت السنة، وجاءت الأخرى زاحفة على جسده المنهك وأحلامه المقهورة . واختفى الوزير والبرلماني، وتبخرت الوعود وظل هو يردد نشيد الوطن على أرصفة الحلم، منبت الأحرار، مشرق الأنوار....الخ

 

 

تنظيم المجال بالمغرب: من الانقسامية الكولونيالية إلى الجهوية المتقدمة. (الجزء الثالث)

الحسن إدوعزيز

تقديم: في سياق النقاش العام حول المؤتمرات الجهوية التي تعقدها النقابة الوطنية للتعليم هذه الأيام تنفيذا لبنود مخططها الاستراتيجي الرامي إلى النهوض بهذه النقابة العريقة، ارتأينا أن نفتح هذه النافذة محاولين الاحاطة بموضوع الجهوية كاختيار تنظيمي مجالي اهتدى اليه المغرب بعد مسار تاريخي طويل.

الموضوع كما يتضح من عنوانه "تنظيم المجال بالمغرب: من الانقسامية الكولونيالية إلى الجهوية المتقدمة" سيقدم في حلقات، وسيتناول سياق ظهور التقسيم الجهوي من الزاوية التاريخية، بابراز مختلف  المحطات التي مر منها تنظيم المجال بالمغرب، قبل الوصول إلى الصيغة الحالية للجهوية المتقدمة، وبداية تنزيلها على كافة المستويات، والتعليمي منها على الخصوص...

الجزء الثالث:

كان مجال "النفوذ"يخضع تماما لسلطة المخزن، ويتحدد في العواصم التقليدية، وبعض المدن الكبرى وأحوازها مع بعض السهول. وهو ما تُشير اليه بعض الدراسات الأنثروبولوجية بلفظة "بلاد المخزن". ظلت حدود هذا المجالغير قارة عبر التاريخ؛ فهو يتغير بتغير الظروف السياسية والمناخية للبلاد، وكان يتمدد بقوة المخزن، ويتقلص بضعفها، وبسبب الصراعات الداخلية، او بسبب الظروف الطبيعية كالمجاعة والأوبئة التي كانت تؤثر على نجاعة واستقرار المخزن وقبائله المحاربة.

بقيت سلطة القبائل الموجودة بهذا المجال، ومؤسساتها، مقيدةوغير ظاهرة؛ بسبب ضعفها،وبسبب تأثير المخزن. ذلك أن المخزن كان يفرض بهذا المجالسلطته التشريعية، المستمدة من القانون الإسلامي، والذي تتمترجمته وتأويله حسب مجالات التشريع. حيث يلاحظ أن هذه السلطة التشريعية ظلت مرتبطة هي الأخرى بقوة المخزن؛ فكلما كان المخزن قويا كلما اتسع مجال تطبيقها، وكلما كان ضعيفا كلما كان تشريعه المخزني سطحيا...، فيصبح أول قانون ترفضه الساكنة،إثر ذلك،هو القانون الضريبي الذي يُصبح حملا ثقيلا عليها،بل يتجاوز حدود الشرع الإسلامي نفسه.

وعموما، فسيطرة قوانين القبيلة بهذا المجال كانت ضعيفة جدا. بل تصبحمتحللة الترابط،ومفككة التلاحم والتضامن مع مرور الزمن. لينتهي الأمر بالناس الى اكتساب التقاليد المخزنيةالمفروضة من طرف رجالات المخزن. مما يقضي على التقاليد العرفية الأصيلة التي لا يتبقى منها، مع مرور الزمن، سوى "بقايا" مقتطعة من سياقها الأصلي، ومندمجة في التشريع المخزني الرسمي. فالإيديولوجية الدينية للمخزن، وكمايرى "غولدييه"، تعمل على تأسيس وتبرير مشروعية تبعية الناس بعضهم لبعض...ولعل ذلكما جعل التبعية الدينية والتشريعية، في هذا المجال، تبعية مقبولة وشاملة من طرف عامة الناس؛والذين يألفون، مع مرور الوقت، مقاسمة السلطان وخاصته نفس القيم والتقاليد، والإيمان بالشرف و"البركة".فهو الذي (السلطان) يبقى بمجال "نفوذه" موجها وحيدا لدفة السلطة السياسية والاقتصاديةعلى حد تعبير الأستاذة "رحمة بورقية".

أما مجال "الولاء" أو "البيعة"، فهو المجال الذي يُغطي، عبر أغلب الفترات التاريخية للمغرب وبشكل مألوف، المناطق الجبلية ومناطق الجنوب. وهو مجال ظلت تستوطنه قبائل، مستقلة الى حد ما. لم تعرف السلطة المركزية في شكلها الدائم...لكنها في المقابل عرفت السلطة الروحية للسلطان كـــ"شريف" أعلى للجماعة، وتُعلن له "الولاء والبيعة".

ويلاحظ المتتبع بأننا نستعمل هنا عبارة"مجال الولاء" عوض "بلاد السيبة"الذي ساقته الكتابات الاستعمارية؛ ولعل مرد ذلكأننا نطمئن إلى ما يذهب إليه بعض الباحثين المغاربة كالأستاذ "محمد حنداين" باعتبار التاريخ السياسي للمغرب أثبتبأن تاريخ المجتمعات القبلية بالهوامش، بالجبل وسوس والصحراء تحديدا، لم يكن خطيا على الدوام.. بل كان ديناميكيا يتراوح بين التركز والانقسام،كما يتوضح ذلك من تجارب الدول والنظم العديدة التي خضع لها مجموع التراب المغربي، أو أثرت فيه، عبر تاريخهالمديد. كما أن الباحث السوسيولوجي"بول باسكون" (Paul Pascon) كان من السباقين إلى الدفاع عن فكرة "الوحدة والتكامل" بالمغرب، بل فند فكرة "استقلالية" المناطق النائية، بعدما بينبأن بعض المجموعات من "بلاد السيبة"بجنوب المغرب الأقصى، كما حددها الأوربيون، كانت خاضعة وتابعة للدولة بالرغم من حالات التأزم التي كانت تعتري العلاقة بينهما من حين لآخر. ورغم ذلك فقبائل هذا المجال كانت تشكل سلطة محلية حقيقية، في شكل لفوف وتحالفات قبلية كبرى؛ كانت تهدد السلطة المركزية للمخزن عبر فترات تاريخية كثيرة. حيثكان قائد القبيلة (le chef de la tribu) يعتبر المالك الحقيقي للسلطة الفعلية بهذا المجال،بينما يقتصر الجانب التشريعي على تطبيق القوانين العرفية المحليةللقبائل كما استنتج "روبير مونطان". وهي قوانين وأعرافظلت تتماشى وطبيعة السلطة المحلية. فعندماتكون هذه السلطة خاضعة- بشكل كلي- لقوة القبيلة، فإن العرف يكون هو التشريع العادي المهيمن، كما حدث مع "الروكي بوحمارة" (1906) بمنطقة الريف، أو مع "موحا أوحموالزياني" (1921) بالأطلس المتوسط.. أما تكون (السلطة) مبنية على احتمالات أخرى غير قوة القبيلة، فإن القائد الروحي المحلي، الذي يتطلع ويطمح في أن يُصبح قائدا أعلى، هو من يحاول فرض الشرع الديني،في سياق محاكاة التقاليدالمخزنية، كما كان الحال مع "محمد العالم" بمنطقة سوس، الذي حاول تطبيق القانون الإسلامي في الميدان الضريبي مدعيا بكونه أصبح سلطانا على مجموع البلاد زمن أبيه "المولى اسماعيل"...

...يُتبع

تنظيم المجال بالمغرب : من "الانقسامية الكولونيالية" إلى الجهوية المتقدمة

تقديم : في سياق النقاش العام حول المؤتمرات الجهوية التي تعقدها النقابة الوطنية للتعليم هذه الأيام تنفيذا لبنود مخططها الاستراتيجي الرامي إلى النهوض بهذه النقابة العريقة، ارتأينا أن نفتح هذه النافذة محاولين الإحاطة بموضوع الجهوية كاختيار تنظيمي مجالي اهتدى إليه المغرب بعد مسار تاريخي طويل ..

الموضوع كما يتضح من عنوانه "تنظيم المجال بالمغرب : من الانقسامية الكولونيالية إلى الجهوية المتقدمة" سيقدم في حلقات، وسيتناول سياق ظهور التقسيم الجهوي من الزاوية التاريخية، بإبراز مختلف المحطات التي مر منها تنظيم المجال بالمغرب، قبل الوصول إلى الصيغة الحالية للجهوية المتقدمة ، وبداية تنزيلها على كافة المستويات التعليمي منها على الخصوص ..

الجزء الأول :

 إن الحديث عن تنظيم المجال المغربي في الحقيقة، وعبر التاريخ، لا يستقيم دون الإشارة إلى بعض الأعمال الرصينة لبعض الباحثين والدارسين الأوربيين كـ"ميشو بيلير" و"روبير مونطان" و"جاك بيرك" وغيرهم والذين ألهموا جل الباحثين المغاربة ليعالجوا مثل هذه الظواهر المجالية أو الجهوية (إن صح التعبير) في مؤلفاتهم وبحوثهم ومونوغرافياتهم خلال فترات لاحقة 

فأغلب الدراسين المشار إليهم أعلاه، ومن يدور في فلكهم، قد توصلوا إلى أن المغرب لم يكن يخرج في تنظيمه السياسي والاجتماعي، وعبر تاريخه الطويل، عن مجالين أساسيين أو منطقتين: منطقة نفوذ المخزن، ومنطقة نفوذ القبائل أو ما اصطلحوا عليه (مجمعين) ببلاد السيبة. ذلك أن نتائج دراساتهم تصر على تقسيم المجال المغربي إلى مجالين متعارضين، الأول تابع للمخزن وتحت سلطته "الشرعية" الفعلية، والثاني خارج عن نفوذه، وأبدع لنفسه قوانين خاصة وأعراف محلية تنظم علاقات أفراده وجماعاته. ولعل هذا النهج "الانقسامي" هو ما نجده عند "ميشو بيلير" حول بعض الجوانب من تاريخ المغرب عموما، أو فيما تناوله "روبير مونطان" في أطاريحه حول الأطلس الكبير والجنوب المغربي، أو "لو شاتوليي" حول بعض قبائل الشمال والجنوب؛ أو ما خلفه "جاك بيرك" عن قبائل "سكساوة"، سيرا على نفس النسق، في محاولة لإبراز ضعف السلطة المركزية أمام سلطة المجتمعات القبلية الأمازيغية بالهوامش والجبل تحديدا. فأغلب هذه الدراسات وغيرها طرحت أسئلة جوهرية عميقة حول مدى قدرة المجتمعات القبلية المغربية، بالمجالات المنفلتة، على تدبير أمورها، وتسيير نفسها، وجوانب حياتها بعيدا عن مراقبة وسيطرة السلطة المركزية، أو غيابها في بعض الأحيان؟؟ وربما مثل هذه الأسئلة هي التي قادت تلك الدراسات (الكولونيالية) إلى عدد من الاستنتاجات والأحكام التي لطالما لخصها الدارسون في تلك العلاقة الثنائية الشهيرة المرتبطة بالمجال المغربي: "بلاد المخزن وبلاد السيبة"؛ والتي ظلت لسنوات طويلة، وإلى حدود اليوم، تتخذ تمظهرات مختلفة : إثنية (عرب/ أمازيغ)، أو إيكولوجية (سهل/ جبل)، أو قانونية (شرع إسلامي/ عرف محلي) أو غيرها ...

حسن ايدواعزيز أستاذ وطالب باحث في التاريخ 

ابنوا المواطنة واحترموها، ودعوها تتكفل بالباقي

تمثل قضية الصحراء المغربية شوكة في خاصرة المغرب، تستعملها القوى العظمى كوسيلة ضغط للتدخل في القرار السياسي المغربي وتوجيهه ورسم حدوده. وبين الفينة والأخرى تخرج المؤسسات الدولية بمواقف تخيف المغرب وتثير قلقه، وهي المواقف التي تتلقفها الجزائر وأزلامها داخل جبهة المرتزقة بفرح وسرور وتروج لها إعلاميا بل وتدفع مقابلها تعويضات مادية ضخمة جدا، بينما يعيش أغلب الشعب الجزائري الفقر المذقع.
لكن ردود الأفعال التي يظهرها المغرب الرسمي ضد هذه المزايدات تتسم بالابتذال والسطحية. خاصة ونحن نعلم أن المتدخلين الدوليين في القضية يعرفون خبايا ما يجري في المغرب بالتفاصيل الدقيقة، ويستخدمونه بالدليل والصورة في الوقت المناسب ضده.
من بين أهم أوراق الضغط التي يزايد بها المنتظم الدولي ضد المغرب فيما خص قضية الصحراء المغربية نجد المسألة الحقوقية. فقد كثرت في الآونة الأخيرة خرجات المدعو كيمون التي يعبر فيها عن قلقه (هذا ما يقوم به دوما) من الوضع الحقوقي والإنساني المتردي في البلد. وهي حقيقة واقعية لا يسعنا إنكارها أو تكذيبها (رغم علمنا بأنها كلمة حق أريد بها باطل) بل نحتاج إلى فتح نقاش عمومي بصددها، وهي وحدها التي ستكون مدخلا حقيقيا لبناء فكرة المواطنة الكاملة وغرس الانتماء الوطني في نفوس الناس.
تقتضي فكرة المواطنة أن تتم معاملة جميع الناس داخل الدولة باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والفرص والواجبات وأمام القانون بغض النظر عن نسبهم ودينهم ولغتهم ومذهبهم وطائفتهم، عندما يتربى المواطن في بلد يحترم كرامته وإنسانيته ويحمي حرياته العامة خاصة منها حريات التعبير والتفكير والمعتقد بسلطة القانون، يشعر بالانتماء الحقيقي لهذا الوطن، ويحمل ذاته استعدادا طبيعيا للتضحية من أجله بكل ما يستطيع.
نحتاج اليوم إلى بناء هذه المواطنة التي تجعل كل واحد منا يحس بأنه محترم، ومن مظاهر هذا الاحترام أن يكون هذا الوطن رحيما بأبنائه متسعا للجميع دون تفاوت ولا تمييز. ينبغي أن نشعر جميعا بأن الوطن ليس ملكا لأي شخص، بل هو ملك لكل المواطنين.
ليس من المواطنة في شيء أن يقسو الوطن على الآلاف من خيرة أبنائه ويجوعهم ويعذبهم وينكل بهم، وهم الشباب الذين سيبثون روح المواطنة في الأجيال المقبلة.
ليس من المواطنة في شيء استهداف التعليم العمومي بسياسات تخريبية وتكريس قيم التمييز والتفاوت والجهل والأمية والانحطاط.
ليس من المواطنة في شيء تكريس قيم الطغيان والغطرسة والتعنت وفرض الأمر الواقع على الفقراء والضعفاء بالقوة وعدم احترام إرادة الشعب.
ليس من المواطنة في شيء إرهاق المواطن البسيط بالغلاء وضرب قدرته الشرائية، وتحميله مسؤولية إفلاس الصناديق والمؤسسات المالية العمومية، وإرغامه على تسديد فواتير الفساد والمفسدين ولصوص المال العام.
ليس من المواطنة تسليط القمع والعنف ضد كل المعارضين المحتجين ضد السياسات اللاشعبية للحكومة ومعاملتهم كمجرمين يهددون أمن المجتمع وسلامته.
على الدولة الحقيقية أن تستوعب ما يلي. إن قوتها تزداد متاتة ويصبح أمنها أكثر صلابة كلما فتحت المجال أمام الحريات العامة واحترمت حقوق مواطنيها وعاملتهم باحترام. إن احترام الدولة لكرامة مواطنيها يجعلهم أكثر تمسكا بالوطن وحبا له ووفاء لقضاياه. ويوم تتحقق هذه المواطنة لن يحتاج المواطنون إلى دعوة الحكومة للاحتجاج ضد من يسيء للوطن قولا وفعلا، بل سيخرجون طواعية ويتنقلون من ماليتهم الخاصة ويضحون بكل ما يستطيعون من تلقاء أنفسهم.
إنه لمسيء جدا أن يشاهد الوطن مأساة إنسانية يبلغ عدد ضحاياها عشرة آلاف تقع تحت ناظره، وهي ليست مأساة عادية، لأن الاستمرار فيها سيخلف عطبا اجتماعيا يدمر أجيالا متنوعة من أبناء هذا الشعب.
على الحكومة أن تفهم درس اليوم، فالوطن يحتاج مواطنين لا عبيدا، يحتاج إلى أحرار  ومتعلمين ومسؤولين، وليس إلى جهلة وأتباع وأنصار ورعية.
درس اليوم أكد للدولة نفسها أن الوطن يحتاج للمواطنين جميعا، وليس للأغنياء والأقوياء وذوي النفوذ والسلطة. وعليها أن تقطع مع ممارسات القمع والاستعباد واحتقار الإنسان وضرب حقوقه وكرامته، وبهذه الطريقة ستكون قد ربحت من ناحيتين.
يتجلى الربح الأول في أنها ستصنع مواطنا بشرفه وكرامته وإنسانيته، محبا لوطنه متفانيا في عمله مخلصا في واجبه وفيا لإنسانيته.
أما الربح الثاني فسيمكنها من قطع الطريق على المؤسسات الحقوقية العالمية التي تستغل ملف حقوق الإنسان للضغط على موقف البلد.
إنها فرصة تاريخية لنبدأ صفحة جديدة، فالمشكل الجغرافي ليس مبررا كافيا لنعطل كل تطلعاتنا المشروعة نحو الديموقراطية وحقوق الإنسان ونجمد مشاريع العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة بطريقة عادلة في انتظار حله.
على الدولة أن تعمل على بناء المواطنة، وهذه الأخيرة ستتكفل بالباقي.
عاش الوطن بأكمله وعاشت كرامة المواطن.

عن الموقع الوطني : 

www.sne-fdt.com

رسالتي إلى الأساتذة (ات) المتدربين (ات)

 

عاصم منادي إدريسي

Assem1منذ تولي حكومة حزب العدالة التنمية بزعامة بنكيران مقاليد الحكم في المغرب، عاش المغاربة على إيقاع هجوم لم يسبق له مثيل على قدرتهم الشرائية، بسبب السياسات الحكومية التفقيرية التي اتخذت من الزيادات في الأسعار والرفع من قيمة الضرائب وأثمنة المحروقات وفواتير استهلاك الماء والكهرباء، قرارات مجحفة تواجه بها إفلاس الصناديق المالية العمومية.

أمام هذه الحملة المسعورة بلع جميع المتدخلين في الفضاء العمومي من سياسيين ونقابيين ألسنتهم إلا من بعض المواقف التي لم تقف في وجه غطرسة رئيس الحكومة. وبينما كان هذا الأخير مزهوا بانتصاراته الانتخابية، ماضيا في سياساته اللاشعبية، يفرضها مقتنعا بعجز خصومه وتشرذمهم، فاجأه الأساتذة المتدربون وهم يرفضون الانصياع لمرسوميه اللذين يستهدف أولهما في العمق التعليم العمومي، بينما أجهز الثاني على نصف المنحة المخصصة للتكوين. وبما أني كنت متتبعا لهذه المعركة التي تدخل اليوم مراحلها النهائية، فإنني أود تبليغ بعض الرسائل الشخصية لهذا الجيل، رسائل يمكن اعتبارها في الوقت ذاته شهادة للتاريخ.

 أيها الأساتذة المتدربون(ات) لقد أكدتم فعلا أن نساء ورجال التعليم هم الشعلة التي تتوقف عليها الآمال، لتكون السد الأول الذي يقف في وجه السياسات الجائرة للحكومات والدول. وتنبهتم قبل الجميع إلى مخاطر المرسومين بصفتهما جزء من مشروع تخريبي يهدف إلى ضرب المدرسة العمومية وخنق دورها ووظيفتها الحيوية بالنسبة لعموم المغاربة وفقرائهم الذين ننتسب جميعا إليهم.

أيها الأساتذة المتدربون (ات)، لقد صرختم عندما صمت الجميع، وواجهتم عندما انسحب الجميع، وصمدتم أكثر مما توقع الجميع، وأثبتم أن المربي الأستاذ(ة) لا يعطي النموذج في احترام العمل والتفاني في الواجب وتبسيط الدروس النظرية لتلامذته، فقط  بل يعطي النموذج المثالي للعالم في التمسك بالحق والدفاع عن الفقراء والوقوف في وجه الظلم ومواجهة الظالمين.

أيها الأساتذة المتدربون (ات)، لقد صمدتم بوسائلكم البسيطة جدا، في وجه أكثر الحكومات غطرسة وطغيانا وتعنتا، وتحملتم الضربات وقسوة الظروف وغلبة إكراهات الحياة وقسوتها. وفي الوقت الذي راهنت فيه الحكومة الملتحية على انهياركم وخلافاتكم وضعف نفوس بعضكم، أثبتم خسران رهانها وفشله بوحدتكم وانضباطكم ومثابرتكم وعزمكم وصمودكم المنقطع النظير.

أيها الأساتذة المتدربون (ات)، لقد شيدتم تنظيما وطنيا على درجة عالية من التنسيق والانضباط والوحدة، وتمكنتم من تذويب الخلافات الداخلية التي كنا نتوقع أن تنشأ من الاختلافات الإيديولوجية والانتماءات السياسية لبعضكم. وخضتم أشكالا نضالية غير مسبوقة في تاريخ المغرب الحديث من حيث التدرج في التصعيد والجدية والتنظيم المحكم، وكل هذا في وقت وجيز لم يتعد الشهرين. وهي أمور لم تنجح فيها التنظيمات السياسية والنقابية العريقة التي يجب عليها أن تتعلم الدروس منكم.

أيها الأساتذة المتدربون (ات)، لقد حيرتم حكومة السيد بنكيران بسلمية المعارك النضالية التي خضتموها رغم استفزازات الأجهزة الأمنية، ورغم التدخلات القمعية التي بلغت من الوحشية والبشاعة أن خلفت إعاقات وكسور وتشوهات وندوب وجروح بليغة لا زال الكثيرون منكم يتابعون علاجاتهم جراءها. في سلوك أظهر وحشية الحكومة وميلها للقمع المفرط، وبالمقابل أكد للعالم رقيكم وتحضركم الذي لم تسجله أي حركة احتجاجية في العالم أجمع.

أيها الأساتذة المتدربون (ات)، لقد وقفتم لمدة طويلة وحيدين في مواجهة الآلة القمعية الحكومية، وسجلتم في كل معركة عشرات الجرحى والمعطوبين، ومع ذلك ما زلتم مستمرين بشجاعة في معركتكم البطولية التي تواجهون فيها قسوة الظروف الطبيعية من برد ومطر وثلوج، وقسوة الحكومة وقمعها وتنكيلها بكم (ن) ولم تكتفوا بذلك الصمود، بل أضفتم للمعارك النضالية شرطا جديدا هو أخلاق المناضل وإنسانيته، وهو ما جسدتموه وأنتم تقدمون بصدر رحب الماء والطعام لرجال الأمن وتبتسمون في وجوههم وتصفقون لحضورهم وتغنون لهم في رحيلهم.

أيها الأساتذة المتدربون، نحن ممتنون لكم لأنكم فضحتم حقيقة الحزب الحاكم التي لطالما حرص قادته وزعماؤه على إخفائها تحت أغطية الدين وقداسة رجاله. تلكم الحقيقة التي حاولوا طمس معالمها تحت مظاهر التواضع والتدين والمسكنة والمظلومية والتباكي واللعب على عواطف عموم الناس. بسبب معركتكم عرف جميع المغاربة حجم الخبث الذي تنطوي عليه نفوسهم والقسوة التي تتملكهم والحقد الدفين الذي يكنونه لأسرة التعليم. وبفضل تضحياتكم لن يكونوا قادرين على تمرير مغالطاتهم وأكاذيبهم مجددا.

أيها الأساتذة_المتدربون. لقد وصلت معركتكم إلى اللحظات الحاسمة، وفي كل تجربة نضالية فتية لا بد أن تكون هناك أخطاء واختلالات تكون جزءا من طبيعة العمل. وككل قيادة لا بد أن تختلف تقديراتكم الشخصية للمعركة وتقييمكم لنتائجها، والتي قد تكون مختلفة طبعا مع التقدير الذي يصل إليه مجلسكم الوطني. لكنني أدعوكم كأي غيور محب ومتضامن حتى النخاع- إلى احترام قيادتكم الوطنية وعدم الانجرار وراء بعض الأصوات التي قد تحاول بث التفرقة والفتنة داخليا.

زملائي الأساتذة المتدربون (ات)، من تجربتي البسيطة كمسؤول نقابي، ومن معرفتي بطبيعة التنظيمات السياسية والنقابية، أريدكم أن تتأكدوا من أن قيادتكم الوطنية، تملك من الحكمة والمسؤولية ما يكفي لتتيقنوا جميعا من أنها تدير المعركة والمفاوضات بالشكل الذي ينبغي أن تكون عليه، وهو شكل أذهل الحكومة.

زملائي الأساتذة المتدربين، أنتم تواجهون حكومة رصيدها السياسي هو القمع والتعنت، وخاصيتها هي الحربائية والمناورة والتضليل وبيع الأوهام. وإلى حدود الآن، سقطت كل مناوراتها على صخرة صمودكم ووحدتكم وانضباطكم وتماسككم الداخلي. ومع ذلك تيقنوا أن خصمكم لن يمل من المناورة وتصيد الهفوات والانفلاتات لنفث السموم وترويج الإشاعات التي تمس بعضكم البعض، من أجل خلق انشقاقات وخلافات داخلية. وبما أنه عاجز عن خلقها فعليا، فسيكلف أدواته التخريبية لصنعها وهميا على مواقع التواصل الاجتماعي. ورغم اقتناعي بنضجكم وحس المسؤولية العالي لديكم، إلا أنني أدعوكم بدافع المحبة والغيرة إلى مزيد من اليقظة والحذر وتجنب الانجرار إلى نقاشات جانبية. أرجوكم جميعا أن تتجنبوا في منشوراتكم لغة التخوين والاتهامات القاسية بالتخوين والعمالة والانهزامية والخوف…

زملائي الأساتذة المتدربون (ات)، شخصيا أتفهم معاناتكم وظروفكم الصعبة جدا. ويؤلمني ما تقاسونه من ظلم وعدوان، ومع ذلك أريد التأكيد على أن وقت المحاسبة الداخلية عن الحضور والمواقف لم يحن بعد. فالمعركة في أوقاتها الحاسمة. وأنتم أشد ما تكونون في حاجة إلى الوحدة والتضامن والتآزر. فلا تسمحوا للوصوليين والأفاكين بزرع الفتن بينكم وحافظوا على وحدتكم، فهي رأسمالكم الرمزي الذي لم تستطع كل التنظيمات السياسية المغربية تحقيقه منذ ولادتها وحتى اليوم.

بالنسبة لي شخصيا، أنتم أبطال (ات) حقيقيون (ات) على المغاربة ان يكونوا جميعا ممتنين لكم، لأنكم فرملتم سرعة رئيس الحكومة وجعلتموه يعيد حساباته ويندم في اليوم ألف لحظة على قسمه المشؤوم ضد سقوط المرسومين. أنتم مدرسة نضال حقيقية يجب أن تقصدها كل الحركات الاحتجاجية لتتعلم معنى النضال الطويل النفس والنموذج في السلمية والاحترام والأخلاق. ويشرفني أنني كنت مشاركا في بعض محطاتكم الجهوية والوطنية، ومواكبا لها بالقلم والنشر والمساندة.

لكم مني جليل الاحترام وعظيم التقدير وخالص الود وصادق التعاطف.

عن الموقع الموقع الوطني

www.sne-fdt.com

عدد زوار الموقع

2437448
اليوم
الامس
هذا الاسبوع
الاسبوع الماضي
هذا الشهر
الشهر الماضي
كل الايام
187
1495
10506
2406608
36956
92795
2437448
Your IP: 107.20.115.174
Server Time: 2017-12-15 02:26:31

أخبار المغرب  أخبار المغرب الكبير  أخبار العالم العربي  أخبار العالم  أخبار الإقتصاد تمازيغت  عالم الرياضة مستجدات التعليم  دين ودنيا  عالم سيدتي  تكنولوجيا  أقلام حرة  صوت وصورة  بانوراما  عين على الفايسبوك  السلطة الرابعة  حوادث  المرأة  خارج الحدود   كاريكاتير  معرض الصور  RSS  الأرشيف