ذ. حاميد اليوسفي: في انتظار التقاعد- الله اي خرج سرابسنا على خير (الجزء الثاني).

 

حاميد اليوسفي

في دردشة مع الصديق الشاعر موحى وهبي .. سألته عن حاله مع التقاعد قال لي بأنه خلال السنة الأخيرة أدرك معنى وسياق العبارة الشعبية التي ظلت تتردد على ألسنة الكثير من الموظفين (الله إي خرج سرابسنا على خير) وأنه أحس بعد التقاعد أن أهم شيء افتقده هو العطلة ..

التقطت الرسالة الأولى لراهنيتها ... فما زال أمامي موسم دراسي بكامله تقريبا ولا أريد بعد كل هذه السنين التي قضيتها في التدريس بحسناتها وسيئاتها أن أتعرض لأي موقف يخدش نهاية مساري المهني .. لهذا حرصت أكثر من السنوات السابقة على القيام بواجبي على أحسن وجه .. مثلا كانت لي مشكلة مع دفتر النصوص كوثيقة تربوية مهمة .. قبل النظام الأكاديمي (أي قبل 1987) كان هذا الدفتر مشتركا بين أساتذة القسم ويتكلف أحد التلاميذ أو التلميذات بتدوين عناصر الدرس فيه ويكتفي الأستاذ بالتوقيع .. مع تطور النظام الأكاديمي أصبح لكل مادة دفتر خاص بها يأخذه الأستاذ معه إلى الفصل ويدون به عناصر الدرس ويوقعه ثم يسلمه للإدارة قبل خروجه من المؤسسة أو يضعه في مكان مخصص لذلك بقاعة الأساتذة يسهل على الجهات المسؤولة الاطلاع عليه . ويعد من الوثائق الأساسية التي يراقبها المفتشون ويسألون عنها أثناء زياراتهم لتقويم عمل الأساتذة .. ولا يمكن للأستاذ في نهاية الموسم توقيع محضر الخروج إلا إذا سلم للإدارة هذا الدفتر .

 قبل (الله اي خرج سرابسنا على خير) كنت أملأه مرة في نهاية كل شهر .. أما الآن إذا تهاونت فلا أتجاوز أسبوعا على أكثر تقدير .. 

 كانت لجنة وزارية قد حلت بالمؤسسة التي أعمل بها لإجراء افتحاص عام شمل حتى ما هو تربوي في بداية الدورة الثانية .. وقد أخبرني الناظر بأنه بحث عن بعض دفاتر النصوص قصد تقديمها كعينة للجنة فلم يعثر سوى على دفتر النصوص الخاص بالأقسام التي أدرسها .. وقد استغرب أعضاء اللجنة بعد أن اخبرهم رئيس المؤسسة و الناظر بان هذا الدفتر هو لأستاذ أحيل على التقاعد وانه تم التمديد له إلى نهاية الموسم ، حسب ما انتهى إلى علمي ..

أجريت جميع الفروض وقمت بتصحيحها وسلمت الأوراق للتلاميذ أثناء عملية التصحيح وطلبت منهم التوقيع بأنهم اطلعوا عليها .. وهي عملية كنت أقوم بها من قبل .. الفرق اليوم هو أني احترمت عدد الفروض و الموعد الزمني لإجرائها وتصحيحها ..

حرصت كذلك على أن تكون العلاقة مع التلاميذ والتلميذات فيما تبقى من هذه السنة في أحسن حالاتها .. فكنت أكثر مرونة وأكثر تسامحا من قبل .. وأصبحت بعض مقاطع الفيديو التي ينشرها التلاميذ في اليوتيب أكبر رقيب على سلوكي وتصرفاتي في بعض الأحيان من المراسيم والمذكرات المنظمة للعمل داخل القسم .. 

 منذ سبع سنوات خلت تألمت كثيرا لفيديو قصير تم تداوله في منتصف الموسم ، باليوتيب يصور حالة مدرس بإحدى ثانويات مراكش وهو نائم على مكتبه والقاعة فارغة .. وقد صاحبته تعليقات خبيثة تستهدف ما تبقى من كرامة نساء ورجال التعليم ... وبعد تحقيق أجرته النيابة تبين فيما بعد أن الفيديو تم تصويره في فترة تزامن فيها الدخول المدرسي مع شهر رمضان وأن التلاميذ لم ينهوا إجراءات التسجيل ولم يلتحقوا بعد بالأقسام ، فدخل هذا المدرس في الفترة المسائية إلى القاعة المخصصة لتدريس مادته ليستريح من تعب الصيام في يوم قائظ فتم تصويره خلسة بعد أن سرقته لحظة نوم ..

وضعت النقط في برنامج مسار في الموعد المحدد رغم انشغالاتي بالعمل النقابي خاصة وأن نهاية الموسم ستشهد اجراء انتخابات اللجان الثنائية ..

وقبل نهاية الموسم الدراسي عمل الزملاء والزميلات في إطار لجنة تهتم بالشؤون الاجتماعية منبثقة عن مجلس التدبير بتنسيق مع جمعية آباء وأمهات وأولياء التلاميذ بالمؤسسة على إقامة حفل تكريمي للموظفات والموظفين الذين سيتقاعدون في نهاية شهر غشت قدم خلاله التلاميذ فقرات فنية جميلة تعبر عن نوع من الشكر والعرفان .. أعجبني منها شريطا سينمائيا قصيرا حصل على أول جائزة في مسابقة إقليمية بين الثانويات ويتضمن مشاهد تحكي عن تجربة العنف المدرسي في كواليس ساحة المؤسسة . وقد أدى بعض التلاميذ الذين سبق لي تدريسهم أدوارا رئيسية في هذا العرض ، كما تم إلقاء كلمات بالمناسبة تنوه بالمكرمين والمكرمات وتقديم بعض الهدايا الرمزية لهم

 وحضر إلى جانبي في هذه المناسبة الأخ سي محمد أيت واكروش .. وقد كانت لحظة التكريم في جوهرها لحظة رهيبة بالنسبة لي تشبه لحظة انتظار الحكم على شخص إما بإطلاق الرصاص عليه لإعدامه أو منحه حياة جديدة .. ثم فجأة يؤجل القاضي النطق بالحكم إلى جلسة مقبلة

 

 مراكش في 23 يناير 2018

 

 

*أستاذ اللغة العربية متقاعد، مناضل ومسؤول سابق في  صفوف النقابة الوطنية للتعليم- فدش، جهة مراكش أسفي.

بقلم حاميد اليوسفي: في انتظار التقاعد- الجزء الأول

 

*حاميد اليوسفي

سنة قبل إحالتي على التقاعد بدأت بعد الصور تطاردني ..

أول صورة تذكرتها تعود لمنتصف السبعينات ، عندما كنت تلميذا بثانوية محمد الخامس ، وهي لموظف لا أذكر اسمه ، كان يدخل إلى المؤسسة ويجلس فوق صخرة متوسطة الحجم بجانب السور المقابل لقاعة الأساتذة المجاورة للجرس الكبير الذي يشبه أجراس الكنائس .. قيل لنا آنذاك بأنه بلغ سن الستين و أحيل على التقاعد وأن عليه أن يداوم على الحضور للمؤسسة لمدة تقترب من أربعة أشهر سبق له أن استفاد منها على شكل رخص طبية مصادق عليها وأنها لن تحتسب له في التقاعد إلا إذا قام بتعويضها ... ولا أعلم إذا كانت إدارة المؤسسة تراقب هذا الحضور أم لا

 وسأفهم فيما بعد بان التقاعد في هذه الحقبة كان يشمل فقط احتساب نسبة معينة من الراتب الأساسي ... وقد كان راتب تقاعد نائب إقليمي قبل نظام 85 لا يتجاوز 2500 درهم فما بالك بموظف صغير .. 

 كان الموظفون في قطاع التعليم ينتظرون حوالي سنة لتصفية رواتب معاشهم إذا كان ملفهم يتوفر على جميع الوثائق المطلوبة .. أما إذا كانت تنقصه إحدى الوثائق فقد تمتد المدة إلى أكثر من سنة ونصف يجب أن يعيشها الموظف بدون أجر . وفي هذه الحالة عليه أن يأخذ العبرة من درس الصرصار والنملة وإلا دفع الثمن غاليا .

ثاني صورة حاصرتني هي لموظفين صغار من قطاعات مختلفة خاصة الجيش والقوات المساعدة يقضون يومهم بالكامل بالحدائق أو بجوارها يلعبون الورق أو الضاما ..

ثالث صورة تبادرت إلى الذهن استحضرتها من مقال نشرته جريدة الاتحاد الاشتراكي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي عندما قارن كاتبه بين راتب عامل متقاعد لا يتجاوز درهم واحد ونشر صورة من الحوالة وبين فقرة وردت في تقرير مالي لمجلس مدينة آزمور جاء فيها بان المجلس حجز عربة يجرها بغل وانه صرف على هذا البغل مبلغا ماليا كبيرا كان يتجاوز آنذاك أجرة موظف مرتب في السلم 11 ...

رابع صورة هي لبعض رجال التعليم والموظفين الصغار بالحي الذي اسكنه ... يجلسون في الصباح والمساء في حديقة مقابلة للمسجد يتبادلون الحديث وعندما يسمعون الآذان يحملون كراسيهم ويتوجهون إلى المسجد ... وبعد أداء فريضة الصلاة يعودون إلى الحديقة .. و قد يحدث أن التقي بأحدهم بعيدا عن الحديقة يمارس رياضة المشي ..

استحضار هذه الصور وغيرها كثير كَدّرَ علي الفرحة بإحالتي على التقاعد التي لم يكن يفصلني عنها غير سنة واحدة .. رغم الارتياح الذي كنت أبديه أمام الزملاء كانت تنتابني هواجس ومخاوف كثيرة لها علاقة بهذه الصور تتلخص في سؤال واحد : ماذا سأفعل بعد التقاعد ؟

 

مراكش 23 يناير 2018

 

*مناضل متقاعد، ومسؤول إقليمي وجهوي ووطني سابق في  صفوف النقابة الوطنية للتعليم- فدش مراكش. 

في حوار الكاتبة والقاصة د. زهرة عز : “العنف نتاج فشل السياسي في تحقيق التنمية والكرامة، والثقافي التنويري يمكنه أن يصلح ما أفسدته السياسة"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نص الحوار الذي أجرته  الدكتورة والقاصة  زهرة عز مع جريدة المنعطف  وارسلته للموقع الجهوي للنقابة الوطنية للتعليم (فدش) بجهة مراكش ـ آسفي :

 1 ـ بداية نسأل عن المجتمع المغربي وعن جذور العنف فيه ، هل يشبه ما نعيشه حاليا ؟

لمعرفة الجذور الحقيقية للعنف في المجتمع المغربي يجب استحضار السياق التاريخي، وهو ما يجعلنا نستخلص أن العنف كما نعيشه اليوم دخيل وجديد على مجتمعنا، وأقصد العنف كظاهرة متشرة في المجتمع، خاصة العنف المرتبط بتبريرات دينية وقيمية وعقائدية، صحيح أن العنف ظاهرة بشرية عرفتها كل المجتمعات والأمم عبر التاريخ البشري نفسه، ولكن ما نعيشه اليوم، يجعلنا أمام ظاهرة مستحدثة، غير مرتبطة فقط بأفراد منحرفين أو جانحين ، يرتبط العنف لديهم بالسرقة واللصوصية عموما. إذ أن العنف كاد أن يتحول إلى ثقافة منتشرة في المجتمع، و موجهاً قيمياً لسلوكات المواطنين بشكل كبير. ولذلك فالتمعن في حالات العنف اليومية يجعلنا نستخلص أن تجلياته المتعددة  في الأسرة، الفضاءات العامة…الخ، هو نتيجة انهيار في القيم، وانهيار أسس التربية والتعايش. ولذلك فحتى مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي كانت تربي الفرد على القيم النبيلة، وتمنحه المناعة الكفيلة باجتناب العنف والانحراف، أصبحت هي نفسها تنتج وتعيد انتاج العنف بقيمه التدميرية
لذلك فما يميز العنف اليوم هو انتشاره كثقافة انتكاسية، يتخذ عدة تجليات وأشكال، فمن العنف المرتبطة بالتعاطي للمخدرات ، وخاصة القرقوبي، وباقي أصناف العقاقير،إلى العنف المرتبط بالجريمة، إلى العنف في الملاعب، والعنف الأسري، إلى العنف المرتبط بالاعتداء الجسدي على الحريات الفردية، تتشكل خريطة العنف في المجتمع.

2 ـ هل نستطيع معرفة رأيكم في ما يجري من هجوم على الحريات الشخصية للفرد المغربي ؟
يشكل هذا المنحى من العنف في المجتمع، أحد أخطر تجليات ظاهرة العنف، لكونها مرتبطة بالفكري والقيمي في أبعاده الدينية، وقد اشتدت وثيرة هذا المنحى مؤخراً، خاصة بعد الربيع العربي، بشكل يجعلنا ندق ناقوس الخطر المحدق بالحريات الفردية والقيم المدنية المؤسسة للمواطنة. خاصة وأن دعاة التطرف والمذهبية، والتعصب الديني يريدون مجتمعاً على المقاس، وهو المقاس الذي يريد ارجاع المجتمع المعاصر إلى التاريخ الموغل في الظلامية

وإذا كانت بعض الأطراف من المجتمع، وخاصة دعاة الإسلام السياسي والأصوليات الدينية الوهابية، تعمل على زرع الفكر المتطرف، وتقوض أسس دولة الحق والقانون والحداثة، فإن ضعف الدولة في الدفاع عن الحريات الفردية، وأحياناً اختراقها هي نفسها وتهاونها في حماية حقوق المواطنين، يجعل موجة العنف الأصولي يعم المجتمع  ويخترق كل مؤسساته، ويحدث بالتالي فوضى عارمة
3 ـ هل يحق للبعض محاكمة أشخاص إنطلاقا من معتقداتهم أو أفكارهم، وهل يحق لهم تطبيق شريعة الشارع عليهم ؟
الحريات كلٌّ لا يتجزأ، و لا يحق لأحد أن ينصب نفسه قاضيا و جلادا، يصدر الأحكام و ينصب محاكمات ، فقط لأنه يرفض الاختلاف و لا تروقه قناعات الآخر.. هناك مؤسسات أمنية و قانونية  مختصة للبث و النظر في الخروقات والتجاوزات إذا ما اكتملت عناصرها ، نحن دولة مؤسسات و لسنا دولة الغاب..و الشارع 

للأسف، تتكرر مشاهد العنف والاعتداء على الآخرين بدعوى تطبيق الشريعة، باختلاف التهم و الضحايا، ضحايا فوضى الشارع والعنف، وهذه المشاهد ناتجة في العمق عن فشل المدرسة وكافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية في غرس قيم حقوق الإنسان، وقيم المواطنة باعتبارها قيما مدنية تتأسس على القبول بالاختلاف وتدبير العيش المشترك على قاعدة الوطنية، التي لا تنفصل عن حرية كل الناس الدينية والاعتقادية. ولذلك فالقيم التي توجه جزء كبيرا من المغاربة هي قيم موغلة في التطرف والمذهبية، وهي قيم جاءت نتيجة انتشار الفكر الوهابي والديني المتطرف، خاصة بعد الربيع العربي، بعد صعود الإسلام السياسي، وبالمقابل، أعلنت مؤسسة التنشئة الاجتماعية والسياسية تنازلها عن الفرد، ككيان يصبو إلى غد أفضل. وهنا نسجل التراجع المقصود،في الإيمان بقيم حقوقية وإنسانية، قيم تدعو للتسامح، احترام المؤسسات، الاعتراف بالآخر وبالاختلاف.. أصبحنا نعاين العنف متمثلا في اعتداءات سافرة، المفروض أنها مرفوضة،ومجرّمة قانونيا ودستوريا. بالتأكيد، المقاربة الردعية والأمنية غير كافية، حتى لو كانت أحيانا ضرورية، فإن استنفاذها يقود حتما إلى عكس ما نرجوه ، والذي لن يكون قائما إلا بالمقاربة القانونية والحقوقية غير المنفصلة عن الحق في التنمية والكرامة، حيث يتساوى أمام دولة الحق والقانون كل المواطنين بدون استثناء، من هنا ينتظرنا استدماج قيم حقوقية، إنسانية في البرامج الدراسية، ومناهج التعليم، والإعلام المرئي والسمعي، والورقي و الالكتروني، إشاعة ثقافة قبول الاختلاف في المظهر والفكر، وقبول التنوع الثقافي، طبعا تربويا وتوعويا، وهنا يأتي دو الفاعل الحقوقي،الفاعل السياسي، المجتمع المدني، مؤسسات التعليم والصحافة والأسرة ودور الشباب، من دون أن ننسى تشجيع التفكير الديني المعتدل، والتنويري . كلنا معنيون وكلنا مسؤولون عن هذا التسيب الخطير والانفلات الأخلاقي. الذي يؤجج للتعصب ولنبذ الآخر والإقصاء، النتيجة وخيمة العواقب إذا لم تتدارك بجدية، ونؤسس لكوابح مؤسساتية لتقويضها، بل للقضاء عليها،، قد تكون عاقبة التغاضي عنها، انهيار كامل لقيم المجتمع وانهيار لأسس الحداثة والديمقراطية
4 ـ هل لليوميات وصعوبتها دور في تنامي ظاهرة العنف ضد فئة معينة من المجتمع المغربي؟
أعتقد أن المعتدي المقبل على العنف، شخص ينفس عن ضغط يجثم على صدره، يمنعه من التنفس بحرية والرؤية بوضوح. قد يكون ذلك ناتج عن إحساس بالعجز واليأس بمسايرة وثيرة الحياة السريعة ومتطلباتها المادية في ظل غلاء يتفاقم ويشعل قلب المواطن ناراً تؤججها قلة اليد، مشاكل اجتماعية واقتصادية تزيد من إحباطه في مجتمع تنعدم فيه العدالة الاجتماعية ويسود الفساد مع سوء التسيير والتدبير، في غياب كامل لتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة… فيكون العنف كمتنفس وردة فعل، ضد الآخر والمجتمع، وهو في العمق عنف ضد اللاعدل واللاحق، علينا الاعتراف بتنامي مظاهر الحكرة والإقصاء في المجتمع، وحالات اليأس مع تدني دور مؤسسات، وغياب إرادة حقيقية لإيجاد حلول جذرية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، التي تثقل كاهل المواطن،وتحبطه، وتقوض رؤيته التفاؤلية للمستقبل، وهو ما سيدخلنا لا محالة في ظلمة قاتمة. وهي الظلمة التي ينتعش فيها الإسلام السياسي، وكافة الحركات الأصولية والمتطرفة ...

 5 ـ كيف السبيل إلى الخروج من ظلمة التزمت إلى ضوء التسامح، وهل للفن والثقافة دور في ذلك ؟
إذا كان السياسي قد فشل في تحقيق التنمية المنشودة، وصيانة كرامة المواطن، ومده بالمناعة المكتسبة عبر مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، فإننا نشهد ومنذ أزيد من عقد من الزمن بداية انهيار  قيم المجتمع، فاسحة المجال للتعصب والتطرّف والتمييز وإقصاء الآخر، في جو يطبعه الريع في كل مجالات الحياة الاجتماعية. وهنا يجد الإسلام السياسي الفرصة لينقض على ما تبقى من أمل في مغرب تنويري وحداثي. إننا نعيش لحظة تاريخية فاصلة، يتم فيه استغلال الدين للهيمنة، أمام تفشي الأمية، نحن مطالبون بتصحيح العيوب المدمرة .فهناك من يعشق الصيد في المياه العكرة،نحن مطالبون أيضا بتقويم الرؤية الثقافية وتوسيع الأفق المعرفي البنائي للوعي والشخصية، عبر مواد وبرامج ثقافية وفنية هادفة، تنهض بمستوى الفرد وتعمل على إذكاء فكره النقدي، كفانا من استراتيجية الإلهاء والتمييع، لنأخذ المسالة بجدية ، يلزمنا مقاربة شمولية لظاهرة العنف واستباقها بتجفيف معاقلها ، والعمل على تشجيع المواهب على الخلق والإبداع. لأن الفكر الحر يحصن نفسه وبالتالي يحصن المجتمع ضد كل دخيل، حتما العنف الرمزي واللفظي يؤدي إلى العنف المادي، ويصبح قانون الغاب هو السائد، عنف بالبرلمان والشارع والجامعات، والملاعب وداخل البيوت،،، عنف في الخطاب السياسي والأُسَري والتربوي والرياضي،،، أكيد فوضى تكرس لزمن العبث بامتياز، كل واحد يعتقد انه يمتلك الحقيقة المطلقة والواحدة، وإنه على صواب والمنزه عن الخطأ،، مفهوم الإقصاء والتعنت المجاني الذي يضر بالجميع. أظن أن المناضل الثوري تشي جيفارا، كان دقيقا ومصيبا حينما قال:”يجب أن يكون المرء إنسانيا،كثير الإنسانية، وأن يتمتع بحس عظيم من العدالة والحق، كي لا يقع في الجمود العقائدي المتطرف، ولذلك فإعادة النظر في المناهج المدرسية، وفي الإعلام، وفي كافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وتشجيع الفكر التنويري والتوعية الفنية والجمالية، كفيل بتفكيك وتبديد مناطق الظلمة والعتمة، وتأسيس مجتمع الاختلاف والتعايش على قاعدة المدنية والمواطنة، التي تعتبر أن الحريات الفردية خط أحمر لا يمكن التهاون في اختراقه لا من طرف الدولة، ولا من طرف الأفراد والجماعات.  لنجعل من إنسانيتنا واحترامنا لبعضنا البعض، ولمؤسساتنا القانونية والدستورية،، ومن تقبلنا لاختلافاتنا الإيديولوجية والعقائدية، ثقافة ، وركيزة بناء مجتمع حداثي ديمقراطي، يتسع للجميع، تتحقق فيه العدالة الاجتماعية وتصان فيه كرامة المواطن. فالاختلاف بالتأكيد رحمة وعطاء…. لعل القادم أجمل،، وللأمل بقية،، وما تفسده السياسة يصلحه الفن والفكر التنويري.

حاورها عبد العزيز بنعبو

عن جريدة المنعطف المغربي

كراسة الوطن

الدكتورة زهرة عز 

قال الراوي: الوطن ليس بطاقة تعريف، وليس مجرد نشيد.

قالت المعلمة: سألد بالصقيع ولدا أسميه سعيد

 قالت الأم: أصبحت نباتية بمحض إرادتي

 قال الإخوة الصغار: لن ننظر إلى القمر

قال سعيد:  إني أنشد جرح الوطن،

وتسلّل وراء الكواليس. أزاح الستارة بحذر، وأطلّ برأسه الصغير. كانت قاعة المسرح مكتظة عن آخرها، لم يكن أي  كرسي شاغرا. طالعه بالصف الأول علية القوم، وزراء ومنتخبون وسياسيون مزهوون ببدلات فاخرة، وألوان ربطات عنق فاقعة وساعات ثمينة. تعرّف على بعضهم.

         كان يراهم في شاشة التلفزة بالمقاهي وعلى الصفحات الأولى من الجرائد.

وبآخر الصفوف جلست والدته حبيبة وإخوته الصغار وبعض من جيرانهم، بوجوههم الشاحبة. الكل حضر لمتابعة مسرحية،"ظل الوطن".

         السنة الجديدة على الأبواب وكل واحد يعانق أمنيته، إلا سعيد كان قد ودّع ظله هناك على قارعة الطريق، عندما أسقط أمنيته بين رجليه.

فتح الستار على سعيد يقف وسط الخشبة. يسبح داخل  معطفه الكبير. حاول المخرج أن يقنعه بتغييره لكنه فشل في ذلك، ثم أخيراً اقتنع أنه جزء مهم من العرض.

- ما أمنيتك لهذه السنة الجديدة وهي على الأبواب؟ سألته فاتنة مبتسمة.

كان السيناريو مرتجلا وصادقا، لذلك كان العرض مغريا للمشاهدة حتى لعلية القوم. حضروا والفضول يسبقهم ليروا أداء الطفل المعجزة.

- أمنيتي لهذه السنة، أن أعانق الموت مثلا.

أربكت إجابة سعيد محاورته. نظرت ببلاهة إلى الحضور. استرجعت جأشها:

- لماذا  يا حبيبي؟ 

- كرهت الدنيا وكل شيء.

ماذا تمنيت قبل ذلك؟

- تمنيت أن أدرس. نظر إليها بخيبة وأضاف، منذ أربع سنوات.

وماذا أيضا؟

_ لاشيء، أمنيتي للسنة المقبلة الجديدة، أن أموت.

أخرست إجابته محاورته الجميلة. نظرت إليه بحنان. ربّتت على كتفه، وهي تنظر لعينيه الدامعتين وتقرأ شريط حياته بصوت جهيّر.   

ككلّ صباح كان سعيد يخرج باكرا مع شروق الشمس حزينا. ينتعل حذاءه المتهرئ، ويلبس معطف أبيه. كان حريصا على أن ترافقه رائحة والده. تشعره بمسؤوليته أكثر منذ ودّع أباه الدنيا، وأورثه حزنا وأطفالا صغارا وزوجة مكلومة لا تجيد شيئا سوى البكاء على حظها العاثر بعد أن فقدت زوجها في عراك بالسكاكين ذات غفلة.

كان أبوه صالح بعمله كحارس، عندما باغته لص أراد سرقة سيارة، سرعان ما استبدلها بسرقة روح صالح وابتسامة سعيد وأسرته، واختفى في العتمة معلنا انتصاره على تحدي الحارس له.

لم يكن سعيد يعرف وهو في السنة الثالثة ابتدائي إنه آخر يوم له بالدراسة. كان يشدو بنشيد الوطن، ويحيي العلم بباحة المدرسة: منبث الأحرار، مشرق الأنوار، منتدى السؤدد وحماه، عندما شاهد أمه تولول ووجهها الشاحب يقطر دموعا وكمداً، باحثة عنه بالساحة. لو علم لربما أخذ العلم تذكارا من المدرسة وودّع معلمته الجميلة.

أصبحت أيامه كأسنان المشط، متشابهة، تتوزع بين نومه المضطرب وجريه بشوارع المدينة بين إشارات المرور، يبيع جرائد ورقية لم يعد أحد يهتم لها، بعدما أصبحت كل الأخبار في المتناول بضغط زر على هواتف ذكية تكاد تجهز على كل العقول والمشاعر ، وعندما كان أحدهم يرقّ لحاله ولسحنته القاتمة وجبينه الذي يتصبب عرقا تحت أشعة الشمس الحارقة،  يضع بعض دريهمات بيده الصغيرة، ويبتسم له، لكن وجه سعيد يظل متجهما،  بعد أن  أضاع ابتسامته، ولم يعثر عليها أبدا. وعندما كان الجوع يقطع أحشاءه والشمس تجلده بسياطها النارية كان يجر جسده النحيل جرا  إلى مقاهي قريبة بحثا عن سقف يظلله.

ينتقل متعبا من طاولة إلى أخرى، عارضا ثقله من الأخبار على الزبائن، أغلبهم لم يكن ينتبه إلا لأظافره السوداء وشعره الأشعث وسحنته القاتمة، لذلك كانوا يزيحون بصرهم عنه تأففا وهم يضعون أياديهم على هواتفهم الذكية بإحكام.

بالمساء وبعد أن تنتشر العتمة، يشعر سعيد باستئناس أكبر مع محيطه. يتوحّد أكثر مع الظلام. يبحث عن خلاصه في كلّ الأزقة المظلمة، قد يصادفه سارق ابتسامته، ويرميه بطعنة رحيمة  تحرّره من قيد الحزن واليأس. 

         بطريقه إلى غرفتهم الصغيرة بسطح البيت القديم، كان يرفع رأسه إلى السماء، و يرمي بنظره بعيدا، فلا يرى سوى قمر مثقوب، ونجوم قد فقدت توهجها، يناجيها بصمته المبحوح بعد أن سقطت كل كلماته واختفى صوته وراء عينيه الحزينتين. يلج زقاقهم الضيق. يدفع الباب الصدئ، يقفز درجات السلم المكسورة ويقف أمام باب غرفتهم اليتيمة. يصله صوت أمه تنهر إخوته الصغار وهم يرتعدون من الخوف من جنيي الظلام بعد أن استبدلت أمه نور المصباح بضوء الشموع .

         يدفع الباب، وقبل أن تسأله أمه متذمرة من الحياة وأعبائها. كان يمدّ لها يده الصغيرة بما جاد عليه النهار وما تحصّله بعد ساعات لا تنتهي من الجري. تنظر إليها بتجهم وتبدأ في تعداد غلاء الحياة، لا تدري ماذا تفعل مع أفواه إخوته الجائعة، ودراهمه القليلة.

         سعيد ينظر إليها بعيون جاحظة، لا يجيب، ثم ينزوي في أقصى الغرفة. يشاهد إخوته يلتهمون بقايا سندويش مده له أحد رواد المقهى بعد أن لاحظ كيف كان  يلتهمه بعيونه، لم يأكله سعيد، فكر بإخوته، يَرَوْن الهمبورغر فقط على واجهة الإعلانات وسط البلد عندما يرافقون أمهم يوم الجمعة ويجلسون أمام المسجد الكبير. نادرا ما كانت العيون تنتبه إليهم، وإلى أسمالهم البالية، وكانوا يعودون آخر المساء ببعض الخبز وقد أكلوا بعضا من لحم وكسكس. اليوم الوحيد الذي كانت أمه لا تلوم فيه سعيد، ربما تكون منهكة أو شبعانة من الخبز وغذاء المحسنين. 

كان الجمهور يستمع لشريط حياة سعيد بصوت الحسناء الرخيم وكأن على رؤوسهم الطير. تنحنح منتخب الحي، طالبا الإذن بالحديث، العرض ارتجالي، ومشاركة الحضور جزء من العرض.

- سعيد ابن منطقتي، هو ابني إذا. أتعهّد بالتكفل بتعليمه حتى البكالوريا، وغدا نرجعه إلى مكانه الطبيعي في المدرسة، ونقيم  وليمة لذلك  يحضر فيها اللحم والدجاج، وسيأكل كل الجيران.

صفق إخوة سعيد بحبور وزغردت نساء الحي فرحا، سينعمون بما لذ وطاب من خيرات الوطن، قاطعته الجارة مينة، مولدة النساء، هي التي استقبلته في ليلة ماطرة، بعد مخاض والدته العسير .

- أشهد أنه كان مولودا مختلفا، لم يصرخ عندما خرج للدنيا والحبل السري يلتف حول عنقه، قدره الموت منذ ولادته. نظر إلي معاتبا، ونزلت دمعتان من عينيه الضيقتين. وعندما فتح فمه لم يصرخ بل تأوّه، حتى ملأ أنينه كل الأمكنة، وانغرست آهاته الحادة بالغيوم، فبكت السماء تلك الليلة، ثم لم أره مبتسما إلا وهو ذاهب إلى المدرسة أو  راجع منها، وعندما غادرها، فقد قدرته على الكلام والابتسامة. أظن أن قدره الموت منذ ولادته، ربما أنينه اقتلع ورقته بشجرة الحياة منذ المهد.  لنحقق أمنيته، لعله يسترجع ابتسامته الجميلة.

- قام وزير التعليم من مكانه، وبجدية صعد للمسرح، يريد أن يكلم الحضور، فالموضوع في غاية الأهمية، والعرض بدأ يسخن ولن يقبل بأقل من شخصية رئيسية داخله...

- تحقيق أمنية سعيد، مناسبة حقيقية لابتكار خطة وطنية للحد من الهدر المدرسي. أتعهد بإثارة الموضوع من جديد بالبرلمان وأسائل كل الوزارات ذات الصلة، خاصة وأن التعليم قضية وطنية تهم كل الهيئات والمؤسسات....

صفق له الجمهور باستحسان، وكانت ابتسامته الصفراء قد ابتلعت نصف الخشبة، التفت إلى سعيد، يتلاعب بشعره الأشعث. 

- عليك أن توضّب نفسك، وتكون جميلا وأنت تستقبل السنة الجديدة وقد تحققت أمنيتك.

ظل سعيد ساكنا لا يتحرك، وهو يرى الوزير يغادر الخشبة. انحنى مقبّلا رأسه متمنيا له التوفيق والنجاح. يضحك ملء فمه الكبير  ويمني نفسه بالإشعاع الذي ينتظره. سيكون أهم إنجاز لوزارته هذه السنة، وسيستغل كل وسائل الإعلام التي تنقل المسرحية على الهواء من أجل قهر كل منافسيه على ولاية ثانية.

         وتتعالى أصوات الكومبارس في المستويات الخلفية للركح، معلنة رفضها لسياسة التعليم والظلم في البلاد، ويعلو التصفيق في قاعة العرض. تنزعج الصفوف الأمامية الوثيرة. يتوقف العرض لدقائق بعد أن وقفت الصفوف الخلفية ترفع شعارات ربط المسؤولية بالمحاسبة... وهذا عار هذا عار أولادنا في خطر.... هذا عيب هذا عار والوطن في خطر.

وقبل أن ينسحب الوزير متزعماً الصفوف الأمامية، وينسحب معه الوالي والعامل والقياد والباشوات... وتنسحب أحلام سعيد إلى الخلف. قرر أن ينزل من الركح، رافضاً أن يكمل  دوره في المسرحية. لم يكن حينها يكترث لشيء، وكأنه كان يقرأ خاتمته في تباين مستويات الضوء المنعكس على الركح راسماً دوائر مضيئة وأخرى مظلمة. 

نظر باتجاه الجمهور المصفق لقراره الشجاع، انحنى مودعا بينما تعالت تهاليل وتصفيرات الحاضرين.

انتهى العرض. انتهت السنة، وجاءت الأخرى زاحفة على جسده المنهك وأحلامه المقهورة . واختفى الوزير والبرلماني، وتبخرت الوعود وظل هو يردد نشيد الوطن على أرصفة الحلم، منبت الأحرار، مشرق الأنوار....الخ

 

 

تنظيم المجال بالمغرب: من الانقسامية الكولونيالية إلى الجهوية المتقدمة. (الجزء الثالث)

الحسن إدوعزيز

تقديم: في سياق النقاش العام حول المؤتمرات الجهوية التي تعقدها النقابة الوطنية للتعليم هذه الأيام تنفيذا لبنود مخططها الاستراتيجي الرامي إلى النهوض بهذه النقابة العريقة، ارتأينا أن نفتح هذه النافذة محاولين الاحاطة بموضوع الجهوية كاختيار تنظيمي مجالي اهتدى اليه المغرب بعد مسار تاريخي طويل.

الموضوع كما يتضح من عنوانه "تنظيم المجال بالمغرب: من الانقسامية الكولونيالية إلى الجهوية المتقدمة" سيقدم في حلقات، وسيتناول سياق ظهور التقسيم الجهوي من الزاوية التاريخية، بابراز مختلف  المحطات التي مر منها تنظيم المجال بالمغرب، قبل الوصول إلى الصيغة الحالية للجهوية المتقدمة، وبداية تنزيلها على كافة المستويات، والتعليمي منها على الخصوص...

الجزء الثالث:

كان مجال "النفوذ"يخضع تماما لسلطة المخزن، ويتحدد في العواصم التقليدية، وبعض المدن الكبرى وأحوازها مع بعض السهول. وهو ما تُشير اليه بعض الدراسات الأنثروبولوجية بلفظة "بلاد المخزن". ظلت حدود هذا المجالغير قارة عبر التاريخ؛ فهو يتغير بتغير الظروف السياسية والمناخية للبلاد، وكان يتمدد بقوة المخزن، ويتقلص بضعفها، وبسبب الصراعات الداخلية، او بسبب الظروف الطبيعية كالمجاعة والأوبئة التي كانت تؤثر على نجاعة واستقرار المخزن وقبائله المحاربة.

بقيت سلطة القبائل الموجودة بهذا المجال، ومؤسساتها، مقيدةوغير ظاهرة؛ بسبب ضعفها،وبسبب تأثير المخزن. ذلك أن المخزن كان يفرض بهذا المجالسلطته التشريعية، المستمدة من القانون الإسلامي، والذي تتمترجمته وتأويله حسب مجالات التشريع. حيث يلاحظ أن هذه السلطة التشريعية ظلت مرتبطة هي الأخرى بقوة المخزن؛ فكلما كان المخزن قويا كلما اتسع مجال تطبيقها، وكلما كان ضعيفا كلما كان تشريعه المخزني سطحيا...، فيصبح أول قانون ترفضه الساكنة،إثر ذلك،هو القانون الضريبي الذي يُصبح حملا ثقيلا عليها،بل يتجاوز حدود الشرع الإسلامي نفسه.

وعموما، فسيطرة قوانين القبيلة بهذا المجال كانت ضعيفة جدا. بل تصبحمتحللة الترابط،ومفككة التلاحم والتضامن مع مرور الزمن. لينتهي الأمر بالناس الى اكتساب التقاليد المخزنيةالمفروضة من طرف رجالات المخزن. مما يقضي على التقاليد العرفية الأصيلة التي لا يتبقى منها، مع مرور الزمن، سوى "بقايا" مقتطعة من سياقها الأصلي، ومندمجة في التشريع المخزني الرسمي. فالإيديولوجية الدينية للمخزن، وكمايرى "غولدييه"، تعمل على تأسيس وتبرير مشروعية تبعية الناس بعضهم لبعض...ولعل ذلكما جعل التبعية الدينية والتشريعية، في هذا المجال، تبعية مقبولة وشاملة من طرف عامة الناس؛والذين يألفون، مع مرور الوقت، مقاسمة السلطان وخاصته نفس القيم والتقاليد، والإيمان بالشرف و"البركة".فهو الذي (السلطان) يبقى بمجال "نفوذه" موجها وحيدا لدفة السلطة السياسية والاقتصاديةعلى حد تعبير الأستاذة "رحمة بورقية".

أما مجال "الولاء" أو "البيعة"، فهو المجال الذي يُغطي، عبر أغلب الفترات التاريخية للمغرب وبشكل مألوف، المناطق الجبلية ومناطق الجنوب. وهو مجال ظلت تستوطنه قبائل، مستقلة الى حد ما. لم تعرف السلطة المركزية في شكلها الدائم...لكنها في المقابل عرفت السلطة الروحية للسلطان كـــ"شريف" أعلى للجماعة، وتُعلن له "الولاء والبيعة".

ويلاحظ المتتبع بأننا نستعمل هنا عبارة"مجال الولاء" عوض "بلاد السيبة"الذي ساقته الكتابات الاستعمارية؛ ولعل مرد ذلكأننا نطمئن إلى ما يذهب إليه بعض الباحثين المغاربة كالأستاذ "محمد حنداين" باعتبار التاريخ السياسي للمغرب أثبتبأن تاريخ المجتمعات القبلية بالهوامش، بالجبل وسوس والصحراء تحديدا، لم يكن خطيا على الدوام.. بل كان ديناميكيا يتراوح بين التركز والانقسام،كما يتوضح ذلك من تجارب الدول والنظم العديدة التي خضع لها مجموع التراب المغربي، أو أثرت فيه، عبر تاريخهالمديد. كما أن الباحث السوسيولوجي"بول باسكون" (Paul Pascon) كان من السباقين إلى الدفاع عن فكرة "الوحدة والتكامل" بالمغرب، بل فند فكرة "استقلالية" المناطق النائية، بعدما بينبأن بعض المجموعات من "بلاد السيبة"بجنوب المغرب الأقصى، كما حددها الأوربيون، كانت خاضعة وتابعة للدولة بالرغم من حالات التأزم التي كانت تعتري العلاقة بينهما من حين لآخر. ورغم ذلك فقبائل هذا المجال كانت تشكل سلطة محلية حقيقية، في شكل لفوف وتحالفات قبلية كبرى؛ كانت تهدد السلطة المركزية للمخزن عبر فترات تاريخية كثيرة. حيثكان قائد القبيلة (le chef de la tribu) يعتبر المالك الحقيقي للسلطة الفعلية بهذا المجال،بينما يقتصر الجانب التشريعي على تطبيق القوانين العرفية المحليةللقبائل كما استنتج "روبير مونطان". وهي قوانين وأعرافظلت تتماشى وطبيعة السلطة المحلية. فعندماتكون هذه السلطة خاضعة- بشكل كلي- لقوة القبيلة، فإن العرف يكون هو التشريع العادي المهيمن، كما حدث مع "الروكي بوحمارة" (1906) بمنطقة الريف، أو مع "موحا أوحموالزياني" (1921) بالأطلس المتوسط.. أما تكون (السلطة) مبنية على احتمالات أخرى غير قوة القبيلة، فإن القائد الروحي المحلي، الذي يتطلع ويطمح في أن يُصبح قائدا أعلى، هو من يحاول فرض الشرع الديني،في سياق محاكاة التقاليدالمخزنية، كما كان الحال مع "محمد العالم" بمنطقة سوس، الذي حاول تطبيق القانون الإسلامي في الميدان الضريبي مدعيا بكونه أصبح سلطانا على مجموع البلاد زمن أبيه "المولى اسماعيل"...

...يُتبع

تنظيم المجال بالمغرب : من "الانقسامية الكولونيالية" إلى الجهوية المتقدمة

تقديم : في سياق النقاش العام حول المؤتمرات الجهوية التي تعقدها النقابة الوطنية للتعليم هذه الأيام تنفيذا لبنود مخططها الاستراتيجي الرامي إلى النهوض بهذه النقابة العريقة، ارتأينا أن نفتح هذه النافذة محاولين الإحاطة بموضوع الجهوية كاختيار تنظيمي مجالي اهتدى إليه المغرب بعد مسار تاريخي طويل ..

الموضوع كما يتضح من عنوانه "تنظيم المجال بالمغرب : من الانقسامية الكولونيالية إلى الجهوية المتقدمة" سيقدم في حلقات، وسيتناول سياق ظهور التقسيم الجهوي من الزاوية التاريخية، بإبراز مختلف المحطات التي مر منها تنظيم المجال بالمغرب، قبل الوصول إلى الصيغة الحالية للجهوية المتقدمة ، وبداية تنزيلها على كافة المستويات التعليمي منها على الخصوص ..

الجزء الأول :

 إن الحديث عن تنظيم المجال المغربي في الحقيقة، وعبر التاريخ، لا يستقيم دون الإشارة إلى بعض الأعمال الرصينة لبعض الباحثين والدارسين الأوربيين كـ"ميشو بيلير" و"روبير مونطان" و"جاك بيرك" وغيرهم والذين ألهموا جل الباحثين المغاربة ليعالجوا مثل هذه الظواهر المجالية أو الجهوية (إن صح التعبير) في مؤلفاتهم وبحوثهم ومونوغرافياتهم خلال فترات لاحقة 

فأغلب الدراسين المشار إليهم أعلاه، ومن يدور في فلكهم، قد توصلوا إلى أن المغرب لم يكن يخرج في تنظيمه السياسي والاجتماعي، وعبر تاريخه الطويل، عن مجالين أساسيين أو منطقتين: منطقة نفوذ المخزن، ومنطقة نفوذ القبائل أو ما اصطلحوا عليه (مجمعين) ببلاد السيبة. ذلك أن نتائج دراساتهم تصر على تقسيم المجال المغربي إلى مجالين متعارضين، الأول تابع للمخزن وتحت سلطته "الشرعية" الفعلية، والثاني خارج عن نفوذه، وأبدع لنفسه قوانين خاصة وأعراف محلية تنظم علاقات أفراده وجماعاته. ولعل هذا النهج "الانقسامي" هو ما نجده عند "ميشو بيلير" حول بعض الجوانب من تاريخ المغرب عموما، أو فيما تناوله "روبير مونطان" في أطاريحه حول الأطلس الكبير والجنوب المغربي، أو "لو شاتوليي" حول بعض قبائل الشمال والجنوب؛ أو ما خلفه "جاك بيرك" عن قبائل "سكساوة"، سيرا على نفس النسق، في محاولة لإبراز ضعف السلطة المركزية أمام سلطة المجتمعات القبلية الأمازيغية بالهوامش والجبل تحديدا. فأغلب هذه الدراسات وغيرها طرحت أسئلة جوهرية عميقة حول مدى قدرة المجتمعات القبلية المغربية، بالمجالات المنفلتة، على تدبير أمورها، وتسيير نفسها، وجوانب حياتها بعيدا عن مراقبة وسيطرة السلطة المركزية، أو غيابها في بعض الأحيان؟؟ وربما مثل هذه الأسئلة هي التي قادت تلك الدراسات (الكولونيالية) إلى عدد من الاستنتاجات والأحكام التي لطالما لخصها الدارسون في تلك العلاقة الثنائية الشهيرة المرتبطة بالمجال المغربي: "بلاد المخزن وبلاد السيبة"؛ والتي ظلت لسنوات طويلة، وإلى حدود اليوم، تتخذ تمظهرات مختلفة : إثنية (عرب/ أمازيغ)، أو إيكولوجية (سهل/ جبل)، أو قانونية (شرع إسلامي/ عرف محلي) أو غيرها ...

حسن ايدواعزيز أستاذ وطالب باحث في التاريخ 

عدد زوار الموقع

2801485
اليوم
الامس
هذا الاسبوع
الاسبوع الماضي
هذا الشهر
الشهر الماضي
كل الايام
3522
3558
26588
2756637
60777
86716
2801485
Your IP: 54.80.8.44
Server Time: 2018-04-22 19:46:05

أخبار المغرب  أخبار المغرب الكبير  أخبار العالم العربي  أخبار العالم  أخبار الإقتصاد تمازيغت  عالم الرياضة مستجدات التعليم  دين ودنيا  عالم سيدتي  تكنولوجيا  أقلام حرة  صوت وصورة  بانوراما  عين على الفايسبوك  السلطة الرابعة  حوادث  المرأة  خارج الحدود   كاريكاتير  معرض الصور  RSS  الأرشيف